الفن وليد ذائقة الشعوب، وذائقة الشعوب وليدة حضارتها وبيئتها ومعتقداتها وأحداثها الكبرى، ووليدة تأثرها الإنساني عبر تاريخها بغيرها من الشعوب والأمم والمجتمعات. والفن مهذب وجدان الشعوب، وبصمة وجودها الجمالية من خلال انعكاسه على عناصرها الثقافية المادية من شواهد ومبانٍ ومجسمات ونقوش، وهناك معان يصعب اختزالها في علاقة الفن بالإنسان، وتداخل تاريخ الحضارة بتاريخ الفنون، وعلاقة المجتمعات بالفن، ولذلك ووفق هذا التداخل وتشابك العلاقة بين الإنسان والفن، ومن خلال الفهم العميق لهذه العلاقة فإن الأمر الملكي الكريم باعتماد تأسيس جامعة الرياض للفنون، وموافقة مجلس الوزراء الموقر على تأسيس المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية في فترة تزامنية متوافقة يأتي في سياق عمل منظم وتوجه استطاع أن يحتضن المشهد ويستوعب معادلة الفن والإنسان، وطبيعة العلاقة وأهميتها ومدى الحاجة إليها، فالأنثروبولوجيا -(دراسة الإنسان) وإن كنت لا أتفق مع هذه الترجمة- تعني الذهاب بعيدا في محاولة للوصول إلى أقرب نقطة من انبعاث ذائقته وتصوراته للحياة من حوله، ومحاولاته تطويع هذه الطبيعة للحفاظ على حياته وبقائه، ومن ثم وبعد مراحل من عمره لم يعد يكتفي بمجرد البقاء فبدأ بمحاولة عكس جمال هذا الوجود من حوله، على أدواته ومعداته وملبسه وآنيته، وسعى إلى بلورة قيمه وترسيخ أعرافه وتوثيق معتقده، واهتم بوسائل تواصله واتصاله من لغة وإشارة ورمز، وأتت هذه المسيرة مصحوبة بولادة فلاسفة وفلسفات تقرأ الحياة وترسم تصوراتها ومعانيها، ومصير البشرية، ومآلات الإنسان، وفي كل هذه التفاصيل نجد أن روح الفن حاضرة والأنثروبولوجيا حاضرة، فالأخلاق والجمال وجهان لعملة واحدة يصدرها الإنسان بناء على العوامل التي ذكرناها، فنجد اختلاف العادات والتقاليد والأعراف مبنية عليها ومنطلقة منها، ومتأثرة بكل هذه المدخلات ومتفاعلة معها. تفريعات حديثة لعلوم كانت قبيل العام السابع عشر الميلادي تقريبا تنبثق من بوتقة واحدة، عندما بدأت المعارف تتخذ شكلها العلمي لتظهر فكرة التخصص بعد مرحلة الشمولية المعرفية، فقد كان عالم الفلك هو نفسه القاضي الشرعي والطبيب والرياضي والفيلسوف والعارف بالتاريخ الاجتماعي والمؤرخ، والمهندس والرسام، والخبير في المقامات والألحان.. جاءت مرحلة التخصص ليكون لكل علم هويته، وطرقه وأساليبه لتستأثر الأنثروبولوجيا دون علم الاجتماع بمنهج الملاحظة والبحث الأعمق فيما يتوارث بيولوجيا وليس ثقافيا، وتتجه إلى دراسة المجتمعات البعيدة عن الحضارة الأوربية عن طريق ما سمي بالمستشرقين الذين درسوا عادات الشعوب والمجتمعات والبلدان وقيمهم، ومعتقداتهم وأديانهم، وطبائعهم وأصولهم وفولكلورهم قبل أن تعود الأنثروبولوجيا للالتحام بعلم الاجتماع ليكونا أقرب ما يكون للعلم الواحد كما كانا، ولتأتي مدارس الأنثروبولوجيا متباينة من بلد لبلد ففرنسا وألمانيا وإنجلترا والولايات المتحدة لا تتطابق في مدارسها دلالات مصطلح الأنثروبولوجيا، ولتصبح الدراسات الثقافية روافد معرفية للأنثروبولوجيا ولعلم الاجتماع على حد سواء، مع حضور الفن من مسرح وموسيقى وأدب وأزياء ملازمة لمسيرة الفرد والمجتمع. والحديث يطول حول هذه العلاقة وهذه العلوم الإنسانية المهمة والملهمة من أجل فهم أعمق وتهيئة أجيال متحفزة تُصقل مواهبها وملكاتها لتشارك في صناعة جودة حياة لوطن جعل من الإنسان هدفه التنموي الأول، والمجال في زاوية بين الثقافة والصحافة يتناسب مع عرض مقتضب تحليلي يجمع بين العرض المبسط، والتحليل العلمي الاختزالي بوضع نقاط عامة لعلها تكون محفزا على البحث ومزيد من الاطلاع.