لم يعد "التفكير خارج الصندوق" في السياق الثقافي الحديث مجرد كلمة ترنيمية، بل أصبح ضرورة من ضرورات البقاء. فالكثيرون يعتقدون أن الخروج عن الصندوق يعني كسر كل القواعد، بينما الحقيقة خلاف ذلك، فهو طريقة من طرائق إعادة التدوير للقواعد، وتفكيك للشيء المعتاد، حيث إن أغلب العوائق الناجمة عن التفكير من قلب الصندوق ليست تقنية،بل قناعات بدرجة حقائق. إن التفكير خارج الصندوق إبداع بحد ذاته، فهو يعمد إلى الأشياء غير المنسجمة في الظاهر فيؤلف بينها ويربطها ببعضها البعض، لأن الإبداع الحقيقي هو القدرة على الدمج بين مجالين لاعلاقة شكلية بينهما لإنتاج محتوى جديد يبرز العلاقة الجوهرية بينهما. فبعض القيود والمعوقات كضيق الوقت وشحّ الموارد على سبيل المثال يمكن أن تكون أكبر محفز للتفكير خارج الصندوق لكي يتم التغلب عليها؛ لأن هذه المعوقات يفترض أن تجبرنا على إيجاد وسائل وحلول ذكية غير تقليدية، تحلحل المشكلة من سياقها المعتاد،وتجعلنا ننظر إليها بعيون تراها لأول مرة. وبالنظر اليوم إلى المشهد الثقافي السعودي، نجد أن التراث يمثّل الصندوق، وأن مراجعته وتطويره هو صورة من صور ذلك التفكير لتقديمه بأسلوب عصري يواكب الرؤية المستدامة، فالإبداع الحقيقي لا يتخلّق في رحم قالب محدد، بل تحتظنه القوالب الثقافية بمختلف أنماطها. وبالرغم من تخوّف البعض من هذا النمط من التفكير لقلة التجربة، إلا أن الرؤية الحديثة للثقافة تعزز مفهوم التجربة، من منطلق أن التعثّر أثناء محاولة ابتكار شيء جديد أنجع من النجاح في تكرار شيء قديم ومستهلك. هذا التحول الذهني هو الذي جعلنا نرى مشاريع كبرى تتحقق على أرض الواقع بشكل مذهل كالتحولات الرقمية، والحوكمة، وأنسنة المدن، والمراكز الثقافية المجتمعية "بيوت الثقافة" بعد أن كانت محفوفة بالصعوبات التي تكتنفها وتلتحفها. إذا تجاوزنا هذه المرحلة فإن المرحلة التي تليها هي التفكير "بلا صندوق"، بمعنى النظر للمواضيع بدون تصنيف؛ فلا نقول هذا تراث شعبي وذاك تراث عالمي، بل ننظر لهما كإبداع إنساني عابر للحدود، فعدم الصندوق لا يعني عدم الجذور. إن جانباً كبيراً من النجاح المدهش الذي تحقق ويتحقق اليوم في وطننا العظيم، كان ثمرة من ثمرات تلك الأفكار التي وُلدت باتزان خارج الصندوق، فالتوازن هو خط الدفاع الأول، والمجتمع المرتبط جيداً بجذوره لا يخشى الرياح العاتية، بل يستفيد منها لتوليد الطاقة الإيجابية وتوظيفها لدعم الإبداع. إن هندسة هذا التوازن وضبطه تقي المشاريع الثقافية من ذوبان الهوية؛ لأنها ترتكز على تقنية الانتقائية الذكية التي تأخذ من الثقافة العالمية ما يطورها من تقنية، وعلوم، وفنون حديثة، وتترك ما يعيق عجلة سيرها، وهي في الوقت عينه تعتمد على عصرنة التراث بجعله نمط حياة فعلي، كما هو الحال في السياحة الثقافية، حيث يتم تحويل البيوت الطينية والشعبية القديمة إلى فنادق ومتاجر متخصصة، ما يضفي على المكان حياة جديدة ومختلفة، ونجد ذلك أكثر وضوحاً في العمارة بالطراز النيو تراثي،حيث يتم تصميم مبانٍ حديثة بمواد بناء متطورة، لكنها تحتفظ بالعناصر التراثية كالمشربيات، والأقواس، والفناءالداخلي، والأبراج التي تستلهم شكل القلاع القديمة؛ فالهوية الأصلية الحيوية هي التي تستمر وتبقى لاقترانها بالضوابط والأسس التي تمنع الفكرة المبدعة من أن تصبح مجرد "أمنية" غير قابلة للتنفيذ، ولاعتمادها على الواقعية التي تضمن أن الفكرة المبتكرة يمكن تطبيقها في حدود الموارد المتاحة. لذلك نجد أن خطط المشاريع في وطننا العزيز تعتمد في استراتيجيتها على الاستدامة لاعلى الحلول والأفكار المؤقتة، وهذا سرُّ نجاحها في مختلف المجالات، فالبنى التحتية، والتقنية، والرقمنة، والحوكمة، وتوظيف الذكاء الصناعي توظيفاً احترافياً، وغير ذلك من الوسائل، صيّرها دولة تقف في مصاف الدول العظمى ذات الثقل والتأثير،وجعل منها وجهة جاذبة. أخيراً.. إن التفكير خارج الصندوق لا يعني كسر الصندوق، بل يعني توسيع أركانه ومساحته، وأكبر خطأ هو الاعتقاد بأن الإبداع عدوّ الانضباط؛ فالضوابط والأسس هي التي تضع العقل على المحكّ وتجبره على الابتكار والبحث عن الحلول، وبدون هذه الأسس تكون الفوضى والحلول الاستثنائية هي بطل المشهد، فالاحترافية أن تجعل خيالك يحلق في السماء، وقدميك ثابتتين على الأرض.