أمير مكة يستقبل القنصل العام المغربي    أمير القصيم يتسلّم التقرير السنوي لجمعية "مبصرون"    استعدادات نوعية لتنظيم الخدمات الميدانية بالحرم خلال يوم عاشوراء    الهيئة العامة للطرق.. مرحلة تاريخية في تطوير قطاع الطرق وتوحيد التشريعات ورفع مستوى السلامة    "الأرصاد": أتربة مثارة وأمطار رعدية على الخرخير ومحافظتي شرورة وخباش    بلدية عنيزة تقدم خدماتها في موسم عنيزة للتمور    أكثر من 2000 مستفيد من خدمات مركز طب الأسنان التخصصي بحفر الباطن    «الصحة»: 183 إصابة جديدة ب«كورونا».. وتعافي 298 حالة    القيادة تهنئ رئيسة سنغافورة بذكرى اليوم الوطني لبلادها    سمو أمير الحدود الشمالية بالنيابة يستقبل رئيس فرع النيابة العامة    حماية المستهلك تطلق برنامج شهادات الالتزام    إطلاق التسريع الأكاديمي للطالبات بجامعة الأميرة نورة    جامعة نجران تحدد فترة التسجيل في برامج المنح الداخلية والخارجية لغير السعوديين    في ثاني أيام سباقات فئة الثنايا للأشواط الصباحية .. "متعبة" الأسرع توقيتاً    كوريا الشمالية تعقد اجتماعاً لمراجعة قيود كورونا    اهتمامات الصحف المصرية    طقس شديد الحرارة على معظم مناطق المملكة    "المسحل" يهنئ القيادة بفوز "الأخضر" بكأس العرب للشباب في أبها    بالفيديو.. لماذا اختار تركي آل الشيخ الهلال لمواجهة ألميريا في مباراة الأبطال؟    أنمار الحائلي يكشف السبب وراء تعاقد الاتحاد مع "كوستا"    4 أضرار للموجات الحارة على الصحة النفسية.. وهذه طرق تخفيف الأعراض    زلزال بقوة 6 درجات على مقياس ريختر يضرب بالقرب من جزر الكوريل الروسية    مركز الملك سلمان للإغاثة.. «نور السعودية»    وزير الصناعة: منح المنشآت الصغيرة والمتوسطة فرصاً أكبر    «عسير».. تغوي هواة الطبيعة والتراث    «الثقافة» تنفّذ المرحلة الأولى من برنامج «اتفاقية حماية التراث المغمور بالمياه»    معرض الرياض الدولي للكتاب ينطلق نهاية الشهر المقبل    عرض مرئي ومعرض ل «مدينة المستقبل» في جدة    أمير الرياض بالنيابة يستقبل مدير فرع المركز البيئي    أوكرانيا تتهم روسيا بنقل تكنولوجيا الأسلحة إلى بيلاروسيا    خادم الحرمين يتلقى رسالة خطية من رئيس زامبيا    بأيّ ذنب قُتِلت؟!    «الصندوق العقاري»: تعثر مستفيدي «القرض المدعُوم» لا يتجاوز 0.23 %    المنتجع الأوحد للتزلج على الجليد في أفريقيا    4 أكتوبر 2024 موعداً ل«الجوكر».. على ذمة ليدي غاغا    إعلان وفاة الكاتبة إحسان كمال عن 88 عاماً    «أكسفورد»: اقتصاد السعودية سيتجاوز تريليون دولار لأول مرة    أمير تبوك يطلع على أعمال «التجارة» وتقارير حماية المستهلك    نصر خالد    التحقيق مع 10 احتالوا على مستخدمي الصرافات    «التعليم»: النقل الخارجي إنهاء لأي تكليف غير التدريس                    نائب أمير حائل يوجه بتسمية مكتبة أدبي حائل باسم الأديب جارالله الحميد        "شؤون الحرمين" تدين الانتهاكات والاعتداءات على المسجد الأقصى وباحاته    تراجع أعداد الحجاج القادمين للمدينة                        أمير تبوك يطلع على تقرير عن إنجازات وأعمال فرع وزارة التجارة بالمنطقة    أمير الحدود الشمالية يستقبل مدير إدارة الاستخبارات العامة بالمنطقة    متدين وغير متدين    43 مليون ريال إجمالي التبرعات ل«مساجدنا» من خلال منصة إحسان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المعماري حكمت شطا يخوض تجربة في إحياء التراث . ما زالت مستمرة هجرة دمشق القديمة إلى شقق البنايات
نشر في الحياة يوم 12 - 03 - 1999

في أوروبا، وبإسم الحداثة والتطور، هجر السكان مراكز مدنهم التاريخية للانتقال الى الأحياء الجديدة. ومع بداية السبعينات، بعد صحوة ما بعد الحداثة، بدأت هجرة معاكسة ترافقت مع انتشار أعمال الترميم والتأهيل لأبنية الأحياء القديمة، والتي أصبحت فيما بعد الأغلى ثمناً.
في دمشق بدأت الهجرة من المدينة القديمة في بدايات هذا القرن لأسباب عديدة ارتبطت، على الأرجح، بالحداثة الأوروبية أيضاً، منها التماثل بالفرنسيين الذين سكنوا أحياء جديدة في ذلك الحين تسمّى اليوم بأحياء فترة الانتداب. وازدادت هذه الهجرة بصورة كبيرة في الخمسينات واستمرت الى ما بعد ذلك. وبالرغم من بعض الحالات النادرة، لا نستطيع حتى الآن أن نقول أن هناك حركة هجرة معاكسة، فيبدو أن صحوتنا المابعد حداثية لم تفعل مفعولها بعد، وفي حال وجود اهتمام فأغلب الأحيان هو لأسباب استثمارية، كتحويل المنازل القديمة الى مطاعم مثلاً، حيث علاقة المساحة المتوفّرة بالثمن مناسبة جداً.
استوقفتني تجربة المعماري حكمت شطّا، حيث بعد أن قام ببيع ما يملك في المدينة الحديثة، وإقناع شقيقه بمشاركته لإكمال المبلغ اللازم لشراء منزل قديم يدعى بيت قنصل في حارة طالع الفضة بحي باب توما، انتقل للسكن والعمل فيه.
ولد حكمت شطا في حارة الدير بحي باب توما نفسه عام 1954. وفي الستينات، وكغالبية سكان المدينة القديمة، هاجر مع عائلته الى حي حديث. وبعد غياب ست سنوات في فرنسا عاد أوائل الثمانينات الى دمشق بشهادة معماري من مدرسة غرونوبل.
حضوره الأول في دمشق كان من خلال إدارة صالة أورنينا للفن التشكيلي لفترة عامين، كان هو مصمّمها ومدبّر مشروعها. هذه الغاليري كانت حدثاً بفضل مساحتها 450 متراً مربعاً، وبمستوى تصميمها، ولسويّة المعارض وطريقة تقديمها. من بعد ذلك وخلال عدة سنوات أنجز مجموعة من المشاريع الصغيرة، أغلب الأحيان تعود لأصدقاء، ومعظمها يقتصر على العمارة الداخلية. فكما يقول: الآفاق هنا مغلقة بوجه من يريد صنع العمارة بين المتعهّدين الذين لا يحتاجون للعمارة لإنجاز أبنيتهم واحتكار مشاريع الدولة من قبل مكاتب الدراسات التابعة لها.
منذ عودته من فرنسا بدأ إعادة اكتشاف وتأمّل العمارة الإسلامية، وبدأ معها حلمه في الانتقال الى منزل دمشقي قديم، وما لبث الحلم أن أصبح هاجساً. ومع بيت قنصل تحقق الحلم، وكأن طريق العودة الى الجذور، والذي دام ثلاثين عاماً، انتهى اليوم هنا في محطته الأخيرة.
في منزله الجديد القديم بدأ منذ عام ببناء عالم أراده أن يكون مخلصاً للماضي، فتعلّم تقنيات صبّ وتعتيق النحاس لتصنيع الجنازير والعناصر الأخرى التي فقدت مع الزمن، وأخذ يجول في المحلات لالتقاط ما تبقى من الأنتيكا الشرقية، وكأنه يريدها أن تعود الى مكانها الأصلي. ومن أجل الجلسة العربية في قاعة الاستقبال، مثلاً، سافر الى يبرود لشراء مساند القش حيث يوجد هناك من يصنّعها حتى الآن على الطريقة التقليدية. وأخذت قناديل النحاس والزجاج والخرز تحلّ محلّ لمبات النيون في كلّ أرجاء المنزل. وكأنه، من خلال هذه السينوغرافيا الساحرة، يريد الهروب الى ماضٍ جميل اندثر.
كتب الكثير من الأدباء والباحثون نصوصاً عن دمشق لها قيمة أدبية أو توثيقية وتاريخية أكيدة، ومنهم من اتخذ بصورة جادة الموضوع كحصان معركته في الدفاع عن التراث المعماري. اللافت هو الغياب شبه الكامل لصوت المحترفين في الشأن المعماري، أي المعماريين أنفسهم، وهم أول المعنيين. لذلك نغتنم هذه الفرصة ونطلب من حكمت شطا، ولو بصورة مختصرة، أن يصف لنا المنزل الدمشقي كما يراه أو حسب النوع السائد، ويتكلّم عن مزاياه وخواصه:
- في بلادنا، عند التكلّم عن العمارة، من الضروري التذكير دائماً بالمفاهيم الأولية. ولذلك أقول: العمارة منتج حضاري عالي التعقيد والحساسية، يجمع في قيمه بين الاجتماعي والفني والاقتصادي والتكنولوجي والسياسي، متكامل في تصميمه العام وتصميم تفاصيله، في مواد وتقنيات بنائه، في ألوانه وضوئه، في ملمسه وصوته ورائحته، يجمع بين الوظيفة والجمال وأبسط الحاجات الإنسانية وأرقاها. وهو مثل أي منتج ثقافي آخر الإبداع فيه ليس له حدود.
أما فيما يتعلّق بوصف المنزل الدمشقي فهو متوسطي، مصنوع لمناخ معتدل، مركزي التكوين، غرفه تنتظم حول فناء داخلي مفتوح على السماء، يحتوي على أشجار الحمضيات كالكباد والنارنج والليمون وبحرة ماء. نظامه المركزي كامل وحقيقي، أي الحركة فيه دائماً تتمّ عبر المرور بالفناء أرض الديار، فحتى ممر الدخول من الحارة ينتهي به، ودرج التخديم الى الطابق العلوي ينطلق منه، فالفناء المفتوح هو القلب النابض للمنزل وأوكسجين تنفسه. هو مركزه الهندسي والمعماري في آن، ومركزيته هذه تستمد قوتها الحقيقية من انغلاقه شبه التام على نفسه، فهو عالم قائم بذاته مستقل عن الخارج.
من الجهة الجنوبية وفي محور البحرة تماماً يوجد غرفة مفتوحة على الفناء باتجاه الشمال تدعى الليوان، يحدّها من جهة الفناء قوس كبير، تستعمل كغرفة جلوس أيام الصيف، فبحكم موقعها لا تدخلها أشعّة الشمس.
كتكوين، الفناء مع الليوان وقوسه يشكّلان الحدث المعماري الأهم في هذا المنزل وهما اثنان في واحد وواحد في اثنين.
قاعة الاستقبال وغرف خرى ذات السقف المرتفع يساوي طابقين تنقسم أفقياً الى قسمين، الأول منخفض عند الدخول يدعى العتبة، وهو المكان الذي يخلع المرء فيه حذاءه للصعود الى القسم الثاني المرتفع عنه 50سم تقريباً، والذي يدعى الطزر، وهو على شكل مصطبة جلوس غير صالحة للمفروشات بالمعنى الأوروبي للكلمة يفرش بالسجاد والمساند والطراريح، يفصل بينهما قوس كبير، وهنا أيضاً المكان اثنان في واحد وواحد في اثنين.
لا نستطيع الكلام عن المنزل الدمشقي من دون التطرّق الى المحيط الموجود فيه، فهو جزء لا يتجزأ منه.
صنع الدمشقيون في الماضي حزاماً أخضر كثيفاً محيطاً بالمدينة من جهة الصحراء يدعى الغوطة، بفضل نظام ري يعتمد على توزيع مياه نهر بردى في شبكة من القنوات المفتوحة، وهي طريقة ذكية للاستفادة الى أقصى حدّ من المياه محدودة الكمية في الزراعة. مع هذا الحزم الأخضر وتبخّر مياه القنوات استطاعوا أيضاً صنع نوع من المناخ المعتدل والمستقل ميكروكليما خاص بمدينتهم. بهذه الغوطة صنع الدمشقيون بحراً لمدينة بلا بحر، فالغوطة هي بحر دمشق الأخضر.
إذاً، دمشق كانت مدينة بيئية تتعامل بانسجام وتوازن مع محيطها الطبيعي. والمنزل الدمشقي، في الحقيقة، ليس سوى ميكروكليما صغير داخل هذه الميكروكليما الأكبر. لتوضيح الفكرة، مثلاً، أشجار الحمضيات التي لا تنمو في الغوطة بسبب برودة وقسوة شتاء دمشق، تنمو داخل هذه المنازل، حيث الجدران المرتفعة لأرض الديار تحمي الأشجار وتمتص حرارة الشمس مضاعفة وتعكسها عليها.
فهو أيضاً منزل بيئي يأخذ في الاعتبار حركة الشمس ويستفيد من حضور الطبيعة في وسطه. فالسكن فيه صحة وعافية، عندما تقتنيه تقتني معه الأرض والسماء، الشمس والهواء. وبالتالي هو منزل بيئي داخل مدينة بيئية، في علاقة متبادلة بين الإثنين، أيّ خلّل في أحدهما يترك أثره على الآخر.
المبدأ الحسي الأساسي الذي تقوم عليه هذه العمارة هو التضاد:
صغير - كبير
دخلي - خارجي
مغلق - مفتوح
ظلام - نور
غامق - فاتح
خاص - عام
فأرض الديار هي الوسط الكبير المفتوح الخارجي والمليء بالنور، أما الغرف والممرات فهي صغيرة مغلقة داخلية والنور فيها غير مباشر مخفف خافت.
هذه البيوت تجمع بين عظمة المكان وإنسانيته المرهفة. إنّها عظيمة من دون أن تخرج عن النمط المنزلي ومقياسه الإنساني.
في الحقيقة، إنّها تحتوي كلّ المعطيات التي تجعل منها عمارة متطورة راقية متكاملة، فهي ليست إلا انعكاساً لحضارة عريقة كانت من الألمع في القرون الوسطى، يجب الاعتناء بها والحفاظ عليها.
تعيش منذ عام في منزل دمشقي، فهل تحكي لنا عن بعض ما تعلمته هناك؟
- كانت أرض فناء البيت الدمشقي تُكسى بنوعين من الحجارة، وعلى شكل شريط ملتو، وبالتناوب بين المزّاوي ذي اللون الزهري والبازلتي الأسود، وقد تبيّن لي أن اختيار مواد الإكساء هذه له أصول عميقة. فالتوازن بين الزهري والأسود هو توازن دقيق بين الانعكاس الخفيف والامتصاص القوي لأشعة الشمس المتوهجة في صيف هذه المنطقة، والذي يساعد في إعطاء هذا المكان ضوءه المريح والهادىء. ومع عملية الشطف الصيفية سكب الماء على الأرض وتجمّع الماء في مسام هذه الحجارة الكامدة وذات الملمس الخشن ومن ثم تبخّرها البطيء، ترتفع درجة رطوبة الهواء، وبالتالي تنخفض درجة حرارة الجو، فيساعد ذلك في تكوين هذا المناخ الخاص للمنزل الميكروكليما الذي تكلّمنا عنه.
بالإضافة الى أن المشي على هذا النوع من الحجارة وهو مبلل بالماء لا يترك آثاراً غير مستحبة لدعسات الأرجل، ويخفف كثيراً من أخطار الإنزلاق والوقوع.
ماذا عن حركة العودة الى دمشق القديمة؟
- بالرغم من بعض الحالات الخاصة جداً مثل شراء عدة منازل من قبل شيخة كويتية تعنى بالتراث الإسلامي، وشراء منزل صغير من قبل زوجة ديبلوماسي، وبيع منزل المجلد الهام الى السيّدة زوجة وليد جنبلاط، وتملّك منزل من قبل دولة أوروبية لتحويله الى معهد ثقافي. لا نستطيع أن نقول أن هناك حركة هجرة الى دمشق القديمة، بل بالأحرى دمشق القديمة هي التي في حالة هجرة، من خلال المسلسلات التلفزيونية، إلى شققنا الطابقية. وكأن تأثير الصحوة المابعد حداثية عندنا أعطت نتائج مقلوبة! وعلى فكرة، للأسف الشديد، لم أشاهد مسلسلاً تلفزيونياً واحداً تعنيه الجمالية المعمارية لهذه الأماكن الرائعة.
وما هي أوضاع دمشق القديمة اليوم؟
- دمشق القديمة ليست بخير. صحيح أنها تحتفظ داخل السور لأنّ الأحياء القديمة خارج السور قيد الانقراض حالياً! ولحسن الحظ، بأغلب نسيجها العمراني، وبالرغم مما فقدته من جراء القصف الفرنسي عام 1925، وبناء بعض الأبنية الطابقية والمدارس الإسمنتية، وتنفيذ بعض الأعمال التنظيمية الصغيرة هنا وهناك. وصحيح أنها محظوظة أكثر من غالبية المدن القديمة، بيروت وحمص مثلاً، لكنها ليست بخير. فعلى رغم الجهود المبذولة، أعتقد أن آلية الحماية لا تقوم بالدور المفروض أن تقوم به في إنقاذ ما تبقى من تراثنا المعماري. وإنني مقتنع أن كل يوم يمضي، كالنزيف الذي لا ينقطع، يعني تراجعاً في حجم هذا الموروث من تاريخنا الحي.
من هو المسؤول؟
- الخبراء والمختصون بمجال العمارة، فقبل كلّ شيء لدينا أزمة كفاءات.
هل تعطينا مثالاً عن أزمة الكفاءات هذه؟
- تشغل محافظة مدينة دمشق بناءً جميلاً واضح المعالم والشخصية وذا حضور قوي في وسط المدينة، ينتمي طرازه للحداثة.
منذ أعوام نفّذت أعمال تجديدات فيه طالت المدخل الرئيسي فأصبح مؤطراً بعمودين يحملان قوساً نصف دائري، وأضيف إليه القليل من الزخارف من نوع الأرابيسك الشرقي.
ما حدث يخالف اللغة المعمارية للبناء، وبالتالي يتنافى مع أبسط المفاهيم في خصوص الوحدة المتكاملة لعمارة الأبنية والتي تؤمّن حمايتها عادة قوانين البلديات.
ظاهرة حرية التصرّف هذه، والمتفشيّة بشكل واسع في دمشق، تقضي على الوحدة المعمارية للأبنية، بغض النظر عن قيمتها الفنية، وتؤدي الى نوع من الفوضى، تسيء لجمال المدينة ككل، لم ينجُ منها حتى بناء المحافظة بالذات!
فالغلاف الخارجي للبناء ليس ملكية خاصة، بل هو ملك جميع سكان البناء أولاً وملك جميع سكان المدينة ثانياً.
الصدمة التي لم تصدّقها عيناي حتّى الآن هي ما أُلصق على واجهة أحد الأبنية في ساحة المرجة من قبل شركة للبرادات، وكأنه باب براد أبيض عملاق رُكب على واجهة بناء عريق.
هذه الظاهرة، ان كانت تعبّر عن شيء فهي تعبّر عن تفشّي نوع من الأميّة الجماعية في مجال العمارة تصيب حتى بعض محترفي هذه المهنة.
كيف ترى عدم فاعلية آلية الحماية كما هي في الوقت الحاضر؟
- ينتمي الطراز المعماري لهذه البيوت الى الفكر الكلاسيكي، فمثلاً جدران قاعاتها ليست سطوحاً ملساء بل مليئة بالخزن الجدارية ومغلفة بالخشب المكسو بالزخارف والرسوم، والفن الزخرفي هنا هو جزء لا يتجزأ من المكان ويلعب دوراً مهماً في تكوين مناخه العام، فهو للعمارة كالجلد للإنسان، فقدانه يعني فقدان بشرة وزهوة بيوتنا. لم أفهم بعد ماذا ننتظر لتحريم بيع وتداول هذه الأجزاء المعمارية المعروضة علناً للبيع في محلات الأنتيكا. منذ بضع سنوات شاهدت في منزل ديبلوماسي فرنسي في باريس خشبية قاعة دمشقية ركبت عنده، وعلى نفقته، من قبل معماري سوري سافر الى فرنسا خصيصاً لإنجاز ذلك. وما أخشاه، من التأثيرات المابعد حداثية علينا، أيضاً، أن تدرج موضة تركيب هذه الأجزاء في شققنا الطابقية، وإنني أشعر ببداية هكذا توجّه، فتبدأ عملية جماعية لتفكيك هذه البيوت... ونكون بذلك من بعد انتقالنا من دمشق القديمة، ومن كثرة محبتنا لها، نريد نقلها هي الينا!
وعن بعض الغرائب التي حدثت في دمشق القديمة؟
- مثلاً، بناء شاليه من الخشب على الطراز السويسري في وسط قصر العظم!
أو تحوّل أحد أبواب دمشق القديمة الى محل لعصير الفواكه! فيُفتح باب المدينة صباحاً للعصير، ويُغلق مساءً عند انتهاء عملية العصير...
لنتخيّل معاً، أن يتحوّل، لأسباب استثمارية، قوس النصر في باريس الى دكان لبيع الألبسة!
ما هو رأيك في موضة تحويل بعض المنازل الى مطاعم؟
- المشكلة ليست في التحويل الوظيفي بل في أسلوب الترميم.
فموضوع توظيف الأبنية القديمة لاستعمالات جديدة وتأقلمها مع المتطلبات المعاصرة، هو موضوع معروف ومطروق في جميع أنحاء العالم، والأمثلة لا تحصى في هذا الخصوص. التوظيف الجديد، في بعض الأحيان، يعني إنقاذ الأبنية من الهدم المحتم، ودائماً يعني إعطاء دفع جديد لاكتساب حياة أخرى كالولادة الثانية.
المشكلة هي في طريقة الترميم، فهناك اختلاط بين مفهوم الترميم ومفهوم التجديد، فالترميم عندنا هو من النوع العنيف الذي يؤدي الى كثير من المعاناة والآلام الموجعة للأبنية المرمّمة.
والمشكلة الأخطر هي في طريقة ترميم الغلاف الخارجي للبيوت الدمشقية والأبنية التاريخية الأخرى. فحمّام الملك الظاهر وحمّام النوفرة، على سبيل المثال، المتواجدان في أمكنة بالغة الأهمية في وسط المدينة القديمة، تمّ تغليف الواجهات التاريخية الأصلية لهما بمواد إكساء جديدة!
الغلاف الخارجي هو المكوّن لطابع وخصوصية وشاعرية الحارات، ومليء بالمعلومات التي لا تقدّر بثمن من أبواب ونوافذ وزخارف وكتابات وتفاصيل ومواد وألوان. وهو تراث يجب الحفاظ عليه.
وواحدة من الخصوصيات المهمة للبيت الدمشقي أن جنّته الداخلية غير مكشوفة على الخارج، فالواجهة المطلّة على الحارة بسيطة ومتواضعة ولا تعبّر عن المضمون الغني للداخل في وصف للمنزل الدمشقي من قبل أحد الرحالة الأجانب قال: هو عبارة عن نواة من الألماس مغلّفة بالطين. هذه الخصوصية هي واحدة من التأثيرات الجمالية لهذه المنازل، والتي تعتمد على قوة الصدمة غير المتوقعة، فتأثير الانبهار بهذه الجنة يكون أقوى بكثير بفضل عنصر المفاجأة. وما يزيد من هذا التأثير مرحلة المرور عبر ممرّ طويل وضيّق وملتو وقليل النور للوصول الى الفناء.
ما لا يجوز هو التجديدات المستحدثة في بعض أعمال الترميم للواجهات الخارجية والتي لا تحترم النمط المعماري السائد، وتخلّ بالطابع التاريخي للمدينة.
ما لا يجوز هو الغاء عنصر المفاجأة في عملية لقلب المفاهيم، فيصبح الداخل في الخارج وكأنه عرض واضح للثروة.
ما لا يجوز هو أن تتحوّل بعض حاراتنا الى حيّ لاتيني جديد! فقط لأنّ صوراً من أوروبا انطبعت في مخيلة صاحب المطعم وأراد تطبيقها على دمشق.
ما لا يجوز هو التجاوزات على الأملاك العامة، مثل التصرّف بأرضية الحارة مقابل باب المنزل، من خلال تركيب مادة اكساء متمايزة، وكأن هذا الجزء أصبح من الأملاك الخاصة. هذه الظاهرة متفشية أيضاً في المدينة الحديثة وهي تبدأ من خلال وضع حوض زريعة أو أجهزة إنارة على الرصيف، ويمكن أن تنتهي، بكل بساطة، الى ضمّ أجزاء من الأملاك العامة الى الأملاك الخاصة.
المسؤولية لا تقع على أصحاب المطاعم والمالكين، لأنّه غير مطلوب منهم أن يكونوا ملمّين في مجال حماية التراث، ولكنها تقع على قوانين الحماية نفسها والمسؤولين عن تطبيقها.
ما رأيك ما هو أجمل صرح معماري إسلامي في دمشق؟
- من بعد الجامع الأموي الكبير، وهو من روائع العمارة العالمية، أكثر بناء ترك أثراً عندي في دمشق هو خان أسعد باشا العظم.
لقد زرت الكثير من الأبنية لمشاهير المعماريين في أوروبا ولكني لم أشعر بتأثير أقوى من ذاك الذي شعرت به عند زيارتي الأولى لخان أسعد باشا، ففراغه العظيم مع قبابه الثماني أعتقد أنه سيصبح أجمل لو أضيفت القبة التاسعة وضوؤه الساحر يضفي على زائره شعوراً بالإندهاش والفرح لا مثيل له.
موضوع توظيف الأبنية القديمة والذي تكلمت عنه يعنينا كثيراً بخصوص خان أسعد باشا وقلعة دمشق، وأبنية أخرى كثيرة. فيما يتعلّق بخان أسعد باشا، وبعد سنوات من أعمال الترميم وعدم اتخاذ أي قرار لما سيؤول اليه هذا الصرح الهام، وبعدما اقتربت هذه الأعمال من الانتهاء، يبدو أنه تقرر تسليمه لليابانيين من أجل تحويله الى متحف ما قبل التاريخ.
إن اتخاذ قرار التوظيف من بعد انتهاء أعمال الترميم ما هو إلاّ طريق معكوس يفتقر لأبسط البديهيات المهنية ومخالف لأيّ منطق معماري سليم. فكيف يمكنه أن يبدأ مشروع التحويل من بعد انتهاء مشروع الترميم؟ وكأننا نعد أعمال ورشة البناء مرتين!
إنّ مشروع التحويل الوظيفي لبناء قائم هو كأي مشروع معماري آخر يحتاج الى دراسات كاملة تؤخذ في الاعتبار أثناء الترميم. فمثلاً، عندما قرّر الفرنسيون تحويل محطة أورسي للقطارات الى متحف القرن التاسع عشر بعدما كان من الممكن أن تهدم لإنشاء بناء طابقي مرتفع مكانها، قبل التصرّف والبدء بأي نوع من الأعمال التنفيذية تمّ انجاز المراحل التالية:
1 - اتخذ القرار النهائي بشأن التوظيف الجديد.
2 - وضعت البرامج الوظيفية حسب الإمكانات الفراغية للبناء.
3 - انجاز الدراسات المعمارية والتقنية.
4 - عند انتهاء الدراسات تبدأ ورشة التنفيذ بما فيها أعمال الترميم.
وأما فيما يتعلّق بتحويل الخان الى متحف ما قبل التاريخ يُعرض فيه الإنسان الحجري وأدواته، فمن الأكيد أنني كنتُ أتمنّى له مصيراً آخر.
وعن الأسباب التي تعيق حركة العودة الى دمشق القديمة؟
- بالرغم من وجود عدد من المنازل الفارغة من السكان وعدد آخر تقطن في كل واحد منه عدة عائلات ذات وضع اقتصادي لا يسمح لها بتأمين أعمال الصيانة وعدد آخر يستعمل كمستودعات للبضائع أو كروشات مهنية لا أستطيع اعطاء أرقام دقيقة لعدم توفّر الدراسات الإحصائية، والتي تؤدي الى تدهور الوضع العمراني لهذه المنازل المبنية من خشب وطين، فإنّ وضعاً كهذا يبقى دائماً أفضل بكثير من تنفيذ أعمال ترميم سيئة تؤدي لضياع نهائي للموروث التاريخي.
واحدة من نجاحات دمشق القديمة هي في كونها لم تتحوّل بعد الى مدينة - متحف، أو مدينة - مهجع، أو مدينة - مدرسة. وأسواقها لم تتخصص في استقطاب السياح فقط. فالحياة المدنية الشرقيّة لا تزال قائمة فيها ولا يزال الدمشقيون والريفيون يأتون للتبضّع في أسواقها.
فدمشق القديمة وبالرغم من مشاكلها لا تزال على قيد الحياة.
من الأسئلة الصعبة للمستقبل: كيف يمكن الحفاظ على هذه الحياة، وبكل متطلباتها الخدميّة، قائمة؟ ولإعطاء الأجوبة وتقديم الحلول أعتقد أننا نحتاج أولاً ودائماً الى دراسات علمية وافية اجتماعية واقتصادية وتخطيطية وهي حلقات مفقودة في تعاملنا مع دمشق القديمة يتمّ ربط نتائجها في سياسة جامعة شاملة موحّدة، ومستقلة عن دمشق الحديثة.
من أسباب إعاقة حركة العودة، أو بالأحرى لإجبار الباقين على الهجرة والتي قد تؤدي مع الزمن الى خلل في توازن الحياة القائمة، هي سياسة وزارة التربية داخل أسوار المدينة القديمة.
فسياسة استملاك المنازل المتّبعة تؤدي الى عدم الشعور بالثقة في التملّك لمن يرغب بذلك، والى تهجير من لم يهاجر بعد. كما تؤدي أيضاً الى الإساءة لبعض المنازل المستملكة والهامة معمارياً مثل بيت شطا في باب توما والذي ذكرته الباحثة الألمانية دوروتيه ذاك وصورة ليوانه موجودة في كتاب المؤرخ عن دمشق جيرار دوجورج، حيث نعرف مسبقاً ما سيؤول اليه المنزل عندما يصبح مدرسة. بالإضافة الى أن استملاك جزر كاملة لتوسيع أو إنشاء مدارس عملاقة داخل النسيج القديم يخلّ بالتوازن الاجتماعي والبيئي، ويحمّل المدينة القديمة ما لا تستطيع احتماله.
المطلوب هو انشاء شبكة من المدارس الصغيرة على مستوى الأحياء مثل نظام الحمامات القديم تلبّي حاجة سكان المدينة القديمة فقط لماذا يجب استقطاب طلاب من خارج المدينة القديمة في النسيج القديم غير المؤهّل؟ ومن خلال بناء بعض الخرائب المتواجدة هناك. وبذلك نكون قد بدأنا أيضاً بإعادة حياكة الأجزاء المفقودة من النسيج القديم. في تحول المدينة القديمة الى مدينة - مدرسة يتمّ الإعلان عن وفاتها.
بما أنك عملت في مجال الفن التشكيلي. ما هو رأيك في تحويل بيت سباعي الى مراسم للفنانين؟
- حسب ما شاهدته تحوّل قسم من هذا المنزل الى متحف للحيوانات المحنّطة والقسم الآخر الى مراسم للفنانين. أعتقد أن الفكرتين غير صائبتين.
فالقاعات الدمشقية الموجودة في المتاحف الغربية تعرض للزوار من دون أي اضافات أخرى بما فيها الحيوانات المحنّطة؟
وكما قلت سابقاً، هذه البيوت تنتمي للطراز الكلاسيكي بالنسبة للحداثة وهي مليئة بمادة زخرفية تغطي تقريباً جميع السطوح، فهي غير صالحة لاستقبال أي عمل فنّي، وخصوصاً الحديث، على جدرانها. فهذا النمط من العمارة يتعارض وبصورة عميقة مع الفن التشكيلي المعاصر، وعند التزاوج بين الإثنين تنشأ مشكلة بصرية أكيدة، وكأنك تضع لوحة صغيرة، داخل لوحة كبيرة، فماذا يحدث للوحتين؟
بالإضافة الى أن الفنان يحتاج لمكان يستطيع التصرّف فيه بحرية كسكب الماء والتطريش، وأن يكون غنياً في ضوئه الطبيعي، وهذه شروط غير متحقّقة في هذه القاعات الحساسة وقليلة الضوء.
لذلك أعتقد أن فكرة تحويل منزل سباعي بالذات وبعض المنازل المشابهة له لمراسم للفنانين لا تخدم المنزل ولا الفنانين أنفسهم.
وعلى رغم أن أعمال الترميم لم تتم فيه كما يجب، فهو يبقى منزلاً مهماً جداً، لأنّه يعطي فكرة متكاملة لما كانت عليه البيوت البرجوازية بدمشق في القرن الثامن عشر.
وما أجمل أن يبقى مفتوحاً للجمهور، كما هو، لأنّه جاهز ليكون متحفاً مثيراً للاهتمام.
في حال أصبحت محافظاً لمدينة دمشق يوماً ما، ما هي أول خطوة ستقوم بها تجاه دمشق القديمة؟
- أول شيء سأهدم الأبنية الطابقية، ومن ثم المدارس الإسمنتية لدمشق القديمة داخل السور.
فالأبنية الطابقية كالوباء الأسود، تقضي على النسيج القديم وتخلّ بالنظام العمراني القائم. فهي تبدّل الضوء والشمس وبالتالي التوازن البيئي للمنازل المجاورة. وكما يقولون، بسبب هذه الأبنية ينكشف البيت، أي يفقد حرمته، وهي من القيم الاجتماعية الأساسية لهذه العمارة. فعندما يفقد المنزل حرمته يفقد وبكل بساطة مبرّر وجوده.
أما بالنسبة للمدارس الإسمنتية فلا أفهم لماذا لا يفرض على وزارة التربية، عندما تريد بناء مدرسة ضمن السور، نظام بناء يحترم طابع واستمرارية الحارات وكتل وأحجام النسيج القديم؟! إذاً سأهدمها لإعادة بنائها بشكل لائق.
ما هو المطلوب لتجاوز المشكلات التي تتكلّم عنها؟
- عندما نلقي نظرة على دمشق القديمة، نشعر أنها بحاجة الى الكثير من الأموال ولألف عام من العمل، يجد فيه الجميع مكاناً.
انني لست هنا بصدد إعطاء النصائح واقتراح الحلول السحرية في قضية بالغة التعقيد، ولكن من المؤكد أننا بحاجة ماسّة للكثير من الإصلاحات، والتي من الممكن اقتراح البعض منها، مثل:
- انشاء مؤسسة تابعة لوزارة الثقافة مختلفة ومستقلة عن مديرية الآثار والمتاحف، تعني بحماية التراث المعماري، مستلهمين ذلك من مؤسسات مشابهة في أوروبا.
- إنشاء صندوق لدعم دمشق القديمة المصرف العقاري في دمشق حتّى اليوم يعطي قروضاً مريحة لأعمال الترميم ولكن بشرط أن لا يكون المنزل عربياً!.
- العمل على لفت أنظار السياسيين الى أهمية التراث المعماري ثقافياً واقتصادياً فهو ثروة قومية تؤمّن عن طريق السياحة الثقافية ولأكثر الدول الأوروبية جزءاً مهماً من دخلها القومي.
- الانفتاح على تجارب الآخرين، من عرب وأجانب، في مجال حماية التراث. واستدعاء الخبرات الأجنبية للقيام بأعمال ترميم نموذجية لنلقي نظرة على تجارب الفرنسيين وتراثهم المعماري الهائل، والإيطاليين ومدنهم الرائعة مثل البندقية، والألمان وخبرتهم في مجال اعادة البناء ضمن النسيج القديم، والإسبان في مجال الحفاظ على التراث الإسلامي لديهم.
ما نحتاج اليه هو التفكير بصدق ومحبة وإخلاص في هذه القضيّة الوطنية ذات الأبعاد العالمية. ما نحتاج اليه هو الالتفات اليها بجديّة واحتراف. إنّه تحدّ كبير. القدس في أيدي المحتلين، بقيت لنا دمشق، فلنكن على مستوى التحدّي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.