أذن الله لموسى -صلوات الله وسلامه عليه- فتلقى ألواح التوراة، وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون. وأقام -عليه الصلاة والسلام- من أجلها أربعين يومًا في «سيناء» صائمًا، فلما انتهى موعده مع ربه -عز وجل- عاد إلى قومه بشريعته. وتزعم اليهود أن صيام «الأربعين» هذه فرض على موسى وحده وهو خاص به ليس عليهم منها شيء. ويذكر مفسرو القرآن العزيز صيام موسى هذا عند تفسيرهم لقوله تعالى: «وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة»، قال المفسرون: إنه -عليه السلام- صامها وطواها، أي لم يتخللها فطر أبدًا. فأما بنو إسرائيل فإنما يصومون «الفرض» يومًا واحدًا في العام هو يوم «الغفران» يدعون أنه -وحده- ما افترض عليهم، وما عداه من أصوامهم فهو نفل ورغبة، ويبدؤون صيامه قبل غروب التاسع من (تشري) رأس سنتهم العبرية بنحو ربع ساعة إلى ما بعد غروب العاشر بنحو ربع ساعة فهو لا يزيد بحال على خمس وعشرين ساعة متتالية، ويطلقون عليه يوم «الكبور» وهو عاشوراء اليهود، وما زال فيهم حتى اليوم. وجدير بالذكر أن العهد القديم خلا من نص يقصر فرضية صيام اليهود على يوم الكبور فقط، غاية ما في الأمر أنه بقي في العهد القديم ما يشير إليه ولا يطلب الصوم فيه نصًا. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر»، فقد حرم على أهل الكتاب -واليهود منهم- أن يستمر فطرهم من بعد الغروب إلى الفجر، وامتاز المسلمون بحل تلك الفترة لهم. واستطاعت «أستير» الزوجة اليهودية الجميلة للملك فارس أن تنادي فيهم بصوم ثلاثة أيام قبل أن تنقذهم من مؤامرة هامان وزير الملك، تلك المؤامرة التي أراد بها استئصالهم من ممالك فارس، فلما نجحت مؤامرتها ضد الوزير وصلب هذا الأخير اتخذوا لذلك عيدًا، وقر فيهم هذا الصيام إلى يومنا هذا، وسمي هذا العيد «فوريم». الصيام من البداية حتى الإسلام – د. علي الخَطيب – المكتبة العصرية*