في صباح يوم عادي أمام متحف غوغنهايم بلباو، تصطف عشرات الحافلات السياحية تنقل مئات الزوار المتحمسين يبتسمون ويلتقطون صوراً أمام المبنى اللامع لينشروها على حساباتهم، ثم يغادرون. قلة منهم تدخل فعلاً لرؤية معروضات المتحف، وهومايثير التساؤل، هل جاءوا لرؤية المعروضات الفنية داخل المتحف، أم لرؤية المبنى؟ غوغنهايم بلباو متحفٌ فريد يُضاف إلى قائمة المتاحف العالمية. تم افتتاحة في عام 1997 م وأحدث نقاشاً لم يتوقف حتى الآن في الأوساط الفنية. حيث اعتُبر نموذجاً يُحتذى به، وفي ذات الوقت خطراًعلى فكرة المتحف. السؤال الذي طُرح وقتها ولا يزال يُطرح حتى الآن، هل يُعدّ المتحف مؤسسةً ثقافية تخدم المجتمع، أم مشروعاً اقتصادياً يُباع للسياح؟ بلباو مدينة إسبانية يعتمد اقتصادها على الحديد والصلب وصناعة السفن. كانت تعاني من تراجع اقتصادي حاد بلغت نسبة البطالة فيها 25 % في منتصف التسعينات، وبسبب ذلك أُغلقت مصانعها، حتى عجزت المدينة عن آداء اي دور ينعشها اقتصادياً. الى أن تم اتخاذ القرار ببناء متحف ضخم فيها وبتصميم معماري لافت أُسند للمصمم المعماري) (Frank Gehry ، فصَمّم المبنى بطريقة غير تقليدية حيث أضاف أشكالاً منحنية، و معدناً لامعاً، و بنيةً معمارية تبدو وكأنها منحوتة ضخمة أكثر من كونها مبنىً وظيفياً لمتحف. النتيجة كانت مذهلة، ففي السنة الأولى وحدها، زار المتحف 1.4 مليون شخص، أي أكثر من ضعف سكان المدينة الذين تراوح عددهم تلك الفترة 400 الف نسمة ، و تحولت المدينة الى مزار للسياح بالملايين. فانتعش الاقتصاد المحلي و أصبحت بلباو وجهة ثقافية، حتى أن المتحف استرد تكلفة بنائه (100 مليون دولار) في غضون ثلاث سنوات فقط من عائدات السياحة فسُمّيت هذه الظاهرة ب»تأثير بلباو» (Bilbao Effect). كانت الفكرة أن متحفًا واحدًا يمكن أن يغيّر المستقبل الاقتصادي للمدينة. وقد نجحت الفكرة فعلاً، لأن من يأتي إلى بلباو هدفه رؤية المبنى الفريد والتقاط الصور أمامه، وربما للدخول ورؤية بعض المعروضات. لكن هل يأتي من أجل الفن أو ليتعلم شيئًا عن الثقافة المحلية أو العالمية؟ أم أن المبنى صارهوالمعرض الرئيس؟ من هنا بدأ الجدل، هل يكفي نجاح المتحف اقتصادياً؟ المتاحف قبل «تأثير بلباو» كانت تُفهم على أنها مؤسسات تعليمية وثقافية. وكانت المتاحف تُبنى لتخدم المحتوى. وكان الغرض من المبنى هو حماية القطع والمعروضات، وحفظ التراث، وتقديم المعرفة . كان التصميم المعماري مهماً، لكن ليس بأهمية المحتوى. كان هدف الزوار الرئيس من الزيارة هو رؤية ما بداخل المتحف وليس مبناه الخارجي. بُنيت المتاحف الكبرى في العالم أمثال اللوفر في باريس ومتحف برادو على هذا الأساس. مبانيها ضخمة ومهيبة، لكن الزوار يأتون من أجل اهداف علمية وثقافية مثل الموناليزا، ولوحات غويا، وغيرها. كان الحديث عن المبنى المتحفي مهماً لكن أهميته كانت ثانوية، ولم يكن من أهدافه الربح المباشر إنما اعتمد على تمويل الدولة أو التبرعات. لذلك يدفع الزائر رسمًا بسيطًا أو يدخل مجانًا باعتبار أن المتحف خدمة عامة. «تأثير بلباو» قلَب المعادلة، وغيّر النظرة للمتاحف فأصبح المبنى جزءًا أساسيًا من التجربة المتحفية وأحيانًا أهم من المحتوى نفسه، فتحول الى عمل فني قائم بذاته ومصدراً مهماً من مصادر الاستثمار والانتعاش الاقتصادي. هذا التحول شجّع دولاً كثيرة لبناء نماذج مشابهة مثل متحف المستقبل في دبي الذي يشبه شكلاً فضائياً عملاقاً من المعدن مع فتحات ونوافذ مُشكّلة بخط عربي متدفّق، وصاررمزًا للمدينة حتى قبل أن يفتح أبوابه. ومتحف نيتيروي للفن المعاصر بالبرازيل ( Museu de Arte Contemporânea de Niterói) من المتاحف الضخمة التي تلفت الانتباه بمعمار يشبه الصحن الطائراوالوردة المتفتحة على الماء. حتى المتاحف القديمة بدأت تضيف أجنحة جديدة بتصاميم جريئة، كإضافة الهرم الزجاجي في وسط باحة متحف اللوفر، وهو الآن واحد من أشهر الرموز «التجارية» في باريس. بعد «تأثير بلباو» أصبح من واجبات المتحف أن يكون «علامة تجارية» وأن يحقق عوائد مادية بجذب أعداد كبيرة من الزوار. ولتحقيق ذلك، بدأت المعارض تُصَمم بطرق تراعي الجاذبية الإعلامية لضمان تجربة «تصويرية» ومبهرة تُشجّع الزوارعلى نشرالصور. وبدأت بعض المتاحف تستضيف فعاليات قد لا ترتبط مباشرة بالفن أوالثقافة. هذا التحول خطير! فكرة المتحف في الأصل قائمة على الجمع والحفظ، والعرض والتعليم، ويُشكّل البحث العلمي الركيزة التي تُبقيه نشطًا وقادرًا على التجدد والإسهام في المعرفة الإنسانية، تحويله إلى منتج استهلاكي يُفقده هذه الميزة. فيصبح الزائر سائحًا يمربسرعة ليلتقط صورًا «لمبنى مشهور» ثم يغادر، فيتراجع العمق المعرفي والثقافي لصالح التركيزعلى ممارسات سطحية تُهمّش المحتوى المتحفي. ومما شجع على هذا بعض المتاحف التي بُنيت بتصاميم مذهلة، لكن المعروضات داخلها لا ترتقي إلى مستوى بنائها المُبهر فصارت الأولوية للشكل ويأتي المضمون لاحقًا. والبعض الآخر من المتاحف يستعير معروضات من متاحف أخرى فقط لملء الفراغ، دون أن يكون لها سياق حقيقي يربطها بالمكان. المشكلة الأخرى هي أن تكلفة بناء متحف بتصميم استثنائي يتطلب ميزانيات ضخمة وتكاليف تشغيل وصيانة مرهقة. فتحولت الثقافة إلى سلعة، وأصبح المتحف مؤسسة تجارية أكثر من كونه مؤسسة معرفية أو تعليمية. المشكلة ليست في نموذج غوغنهايم بحد ذاته، ما يثير القلق أن المدن اتجهت نحو محاولة استنساخ تجربته دون فهم سياقه، فتنافست على بناء متاحف فخمة دون أن تسأل لماذا نحتاج هذا المتحف؟ ما الذي سيقدمه للمجتمع المحلي؟ هل لدينا مجموعة فنية تستحق هذا المبنى؟ أم أننا نبني لمجرد المنافسة والظهور؟ بلباو نجحت لأسباب معينة منها أنها مدينة صغيرة، وموقعها استراتيجي، ولديها دعم حكومي قوي، كما أن مؤسسة غوغنهايم الأم وفّرت المحتوى العلمي والخبرة العملية. ومحاولة تكرار هذا النجاح في كل مدينة لا تنجح دائماً. في قطر على سبيل المثال متحف الفن الإسلامي، رغم روعة تصميمه للمعماري (I. M. Pei)، يظل يعتمد بشكل كبير على السياح ويواجه تحديات في جذب الجمهور المحلي بنفس القدر. الخطر الأكبر هو أن يصبح المتحف واجهة فارغة بسبب اهتمام الدول ببناء متاحف ضخمة ومبهرة لتحسين صورتها الدولية دون أن تستثمر في البنية الثقافية، فلا توجد مكتبات كافية، ولا برامج تعليمية فنية في المدارس، ولا استثمار في تدريب وتعليم معلمي الفنون، ولا دعم للفنانين المحليين. يحتاج المتحف كمؤسسة ثقافية محتوى تعليمي قوي، وإدارة متحف محترفة، وبرامج مستمرة، وعلاقة حقيقية مع المجتمع المحلي، حتى لا يصبح معزولاً ومنفصلاً عن الواقع المحيط به. التحولات الاقتصادية والثقافية التي أَنتجت غوغنهايم كانت موجودة قبله كالعولمة، وصعود السياحة الثقافية، وغيرها من العوامل بدأت قبل 1997م، وغوغنهايم بلباو كان أبلغ مثال على هذه التحولات ونجاحه الساحق هو ما شجّع الآخرين على محاكاته. المتاحف قبل غوغنهايم لم تكن كلها مثالية، فالكثير منها كانت نخبوية، وبطيئة في التطور. زيارتها تتطلب معرفة مسبقة بها، واستعدادًا للتأمّل وقراءة شروحاتها الطويلة، وهي غير جاذبة لكثير من فئات المجتمع ومنهم الشباب. لكن غوغنهايم أجبر الجميع على إعادة التفكير في دور المتحف؟ من جمهوره؟ كيف يموّل نفسه؟ أما بعد غوغنهايم أصبحت المتاحف أكثر وعيًا بالجوانب الاقتصادية والتسويقية، وأكثر شمولية. أصبحت تستقبل فئات من الزوار لا يعرفون شيئًا عن الفن، وصارت تجربة الزائر أخف وأسهل وأكثر تفاعلية. أوضحت تجربة غوغنهايم أن الجانب الاقتصادي ليس شرًا بالضرورة، فالمتحف الذي يحقق إيرادات يستطيع أن يحافظ على استقلاليته وأن يموّل برامج تعليمية، ويشتري قطعًا جديدة، ويوظف الباحثين، وينظم المعارض. الاعتماد المادي على الدولة وحدها قد يكون محفوفًا بالمخاطر، خاصة في أوقات الأزمات المالية. الاهتمام بتسويق المتحف لا يعني بالضرورة التفريط في رسالته الثقافية، لكن غياب التوازن قد يحوّله إلى نموذج استهلاكي فارغ. بعض المتاحف نجحت في تحقيق التوازن بين الجذب الجماهيري والحفاظ على رسالتها الثقافية. مثل متحف الفن الحديث في نيويورك (MoMA) والذي يستقبل ملايين الزوار سنوياً ويحقق إيرادات ضخمة ومع ذلك يظل ملتزماً بهويته كمؤسسة بحثية و تعليمية رائدة. التحدي الحقيقي إذن ليس في رفض النموذج الاقتصادي ولا تبنّيه بشكل أعمى، التحدي هو بناء متاحف تحترم المعرفة وتخدم المجتمع، مع قدرتها على الاستدامة في عالم تنافسي. السؤال الذي يجب أن تطرحه كل مدينة تفكر في بناء متحف اليوم هو هل نبني للثقافة وللمعرفة، أم نبني للسياح وللاستهلاك؟.