من وجوه الدلالة القوية على مصدر القرآن ما اشتمل عليه من نبوءات مستقبلية تحققت بعد نزوله، في ظروف لم يكن العقل البشري قادرًا على الجزم بمآلاتها، بل كانت المعطيات الظاهرة تناقضها أحيانًا. ويؤكد الدكتور محمد عبدالله دراز أن هذه النبوءات ليست مجرد توقعات سياسية أو حدس ذكي، وإنما أخبار جازمة قُدمت بصيغة القطع واليقين. من أبرز هذه الأمثلة الإخبار بانتصار الروم بعد هزيمتهم الساحقة أمام الفرس، في وقت كانت فيه الدولة الرومية تتداعى، ويجمع المراقبون على قرب سقوطها النهائي. جاء القرآن ليقرر، في صيغة قاطعة، أن الغلبة ستعود لهم في بضع سنين، وهو ما وقع بالفعل، على نحو لم يكن متوقعًا في ميزان السياسة والعسكر آنذاك. ومنها أيضًا الإخبار بحفظ القرآن نفسه من الضياع والتحريف، وهو وعد لم يكن سهل التحقيق في بيئة تعتمد على الحفظ الشفهي، ولا تعرف مؤسسات توثيق مركزية. ومع ذلك تحقق هذا الوعد عبر مسار تاريخي معقد، شاركت فيه الأمة كلها، دون انقطاع أو اختلاف جوهري في النص. كما نجد نبوءات تتعلق بمصير الدعوة الإسلامية، من التمكين والانتشار، في مراحل كانت فيها الدعوة محاصرة، وأتباعها قلة مستضعفة. وقد جاءت هذه الأخبار لا على سبيل التمني، بل بوصفها حقائق واقعة في علم الله، وهو ما منح المؤمنين ثباتًا نفسيًا، وغيّر مسار التاريخ لاحقًا. ويُلفت إلى أن اللافت في هذه النبوءات ليس تحققها فحسب، بل أسلوب عرضها؛ إذ لم تُقدَّم بحذر أو تردد، بل بلغة الواثق العارف، دون مراعاة لاحتمال الخطأ أو تبدّل الظروف، وهو ما لا يفعله البشر عادة حين يتحدثون عن المستقبل. وبذلك تشكل النبوءات القرآنية قرينة إضافية على أن هذا الكتاب لا يصدر عن عقل بشري محدود، مهما بلغ ذكاؤه، بل عن علم محيط يتجاوز الزمن، ويكشف المستقبل كما يكشف الحاضر.