أسهمت الإصلاحات في تحسين بيئة الأعمال بيئة تنافسية جاذبة مفتوحة للأعمال لبناء اقتصاد عالمي تمضي المملكة العربية السعودية بخطى متسارعة نحو ترسيخ موقعها كواحدة من أكثر البيئات الاستثمارية جذبًا في المنطقة والعالم، مستندة إلى حزمة واسعة من الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية التي انطلقت مع تدشين رؤية السعودية 2030، والتي أعادت تشكيل بنية الاقتصاد الوطني، ووسّعت آفاقه بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على النفط. وبينما تتسارع وتيرة التحول، تتنامى ثقة المستثمرين الأجانب في السوق السعودي، مدفوعة باستقرار اقتصادي، وتشريعات حديثة، وبنية تحتية متطورة، ورؤية استراتيجية واضحة المعالم. وفّرت المملكة بيئة تنافسية جاذبة مفتوحة للأعمال، لبناء اقتصاد عالمي رائد، يعزز ريادة الأعمال، ويعيد هيكلة المدن الاقتصادية، ويسهم في إنشاء مناطق خاصة، ويطلق إمكانات سوق الطاقة لجعله أكثر تنافسية، كما تستثمر المملكة من أجل مستقبل مشرق، بإطلاق العنان لقطاعات جديدة واعدة، وتخصيص المزيد من الخدمات الحكومية لتنويع الاقتصاد وضمان استدامته. حيث تقع المملكة في ملتقى الطرق بين ثلاث قارات، وتسهم الرؤية في أن يكون موقعها فاعلًا، لتصبح مركزًا رئيسا للتجارة الدولية، وتطلق شراكات جديدة لتنمية الاقتصاد ودعم الشركات المحلية في تنمية الصادرات. ويعد سوق العمل السعودي أحد أبرز عناصر الجاذبية الاستثمارية، إذ يشهد تطورًا ملحوظًا من حيث كفاءة الكوادر الوطنية، وتزايد أعداد الشباب المؤهلين، إلى جانب برامج تطوير رأس المال البشري التي تستهدف رفع تنافسية القوى العاملة. كما أسهمت الإصلاحات في تحسين بيئة الأعمال، وتسهيل إجراءات تأسيس الشركات، والسماح بالتملك الأجنبي الكامل في عدد من القطاعات، فضلاً عن تحديث أنظمة العمل والاستثمار بما يعزز مرونة السوق ويواكب أفضل الممارسات العالمية. وتعكس المؤشرات الدولية هذا التحوّل النوعي، إذ حققت المملكة خلال عام 2023 مراكز متقدمة بين دول مجموعة العشرين، حيث جاءت في المرتبة الحادية عشرة من حيث صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، والمرتبة السادسة عشرة من حيث رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر. هذه الأرقام لا تعكس فقط نمو التدفقات، بل تؤكد أيضًا تحسن تنافسية الاقتصاد السعودي وقدرته على استقطاب رؤوس الأموال طويلة الأجل. ووفقًا لآخر البيانات الصادرة عن البنك المركزي السعودي "ساما"، ارتفع رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر داخل الاقتصاد بنهاية الربع الثالث 2025 إلى نحو 1049.7 مليار ريال، بنسبة ارتفاع بلغت 10% مقارنة بالفترة ذاتها من العام 2024. ويمثل رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر داخل الاقتصاد نحو 33 % من إجمالي الاستثمار الأجنبي بالمملكة. ويؤكد اقتصاديون أن استمرار هذا الزخم من شأنه أن ينقل المملكة إلى مرحلة جديدة من التمركز الاقتصادي العالمي. وأن زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر سنويًا تمثّل ركيزة أساسية في تحويل المملكة إلى مركز اقتصادي وتجاري عالمي. وأن التركيز على هذا القطاع عبر خطط طموحة ومبادرات نوعية يشكل الجسر الحقيقي نحو المستقبل. وأضاف أن البيئة التنظيمية المحفزة، إلى جانب الاستقرار المالي، يمنحان المستثمرين ثقة متنامية في استدامة النمو. وتستهدف الرؤية رفع مساهمة الاستثمار الأجنبي المباشر في الناتج المحلي الإجمالي إلى 5.7%، وزيادة مساهمة القطاع الخاص من 40% إلى 65% بحلول عام 2030، بما يضع المملكة ضمن أكبر 15 اقتصادًا في العالم. وقد انعكس هذا التوجه في تضاعف رصيد الاستثمار الأجنبي منذ إطلاق الرؤية ليصل إلى نحو 900 مليار ريال، في وقت تجاوز فيه حجم الاقتصاد السعودي حاجز 4 تريليونات ريال، أي ما يعادل قرابة 1.1 تريليون دولار. كما شهدت المملكة ارتفاعًا ملحوظًا في عدد الشركات العالمية التي اتخذت منها مقرًا إقليميًا، حيث تجاوز العدد 780 شركة، في مؤشر على نجاح السياسات الرامية إلى جذب المراكز الإقليمية للشركات متعددة الجنسيات. ويعزز هذا التوجه موقع "مدينة الرياض" كمحور اقتصادي متصاعد، مع طموح برفع مكانتها ضمن أكبر عشر مدن اقتصادية في العالم خلال السنوات المقبلة. كما بلغ عدد التراخيص الاستثمارية المُصدرة عن وزارة الاستثمار خلال عام 2025 نحو 24244 ترخيصاً، بنسبة ارتفاع بلغت حوالي 69% مقارنة بعام 2024، مسجلة بذلك أعلى مستوياتها، وذلك بعد استبعاد التراخيص المصدرة بموجب حملة مكافحة مخالفي نظام التستر التجاري "تستر"، مايعكس مكانة المملكة كوجهة استثمارية جاذبة، والتي تتمتع بمزايا تنافسية قوية تتمثل في البيئة الاستثمارية المستقرة والداعمة للأعمال، وفقاً لتقرير راصد الاقتصاد والاستثمار. وسجلت التراخيص الاستثمارية نمواً متسارعاً منذ عام 2021، حيث ارتفع عددها من 2832 ترخيصاً في ذلك العام إلى 4362 ترخيصاً في 2022 بنمو 54%، قبل أن يتضاعف تقريباً في 2023 ليصل إلى 8540 ترخيصاً "+96%"، واستمر الزخم خلال 2024 بارتفاع العدد إلى 14321 ترخيصاً "+68%". إلى ذلك ارتفع عدد الرخص الاستثمارية خلال الربع الرابع 2025 بشكل ملحوظ في عدد من القطاعات، يتقدمها قطاع التشييد الذي قفز 123% إلى 3018 رخصة مقارنة ب1354 رخصة في الفترة المماثلة من 2024، ما يجعله أكبر القطاعات من حيث العدد. وسجلت تجارة الجملة والتجزئة نمواً قوياً بنسبة 171% إلى 1484 رخصة، في حين حقق النقل والتخزين أعلى معدل نمو بين القطاعات الرئيسية بزيادة 188% إلى 533 رخصة. ولا تقتصر الجاذبية الاستثمارية على الجوانب التنظيمية فحسب، بل تمتد إلى المشاريع العملاقة والبنية التحتية المتقدمة التي تعمل المملكة على تنفيذها. فقد استثمرت في تطوير المدن الاقتصادية، والمناطق اللوجستية، ومشاريع النقل الحديثة، إلى جانب تسريع التحول الرقمي وبناء اقتصاد معرفي قائم على الابتكار والتقنية. كما أطلقت مناطق اقتصادية خاصة تقدم حوافز تنافسية، تشمل إعفاءات ضريبية وتسهيلات تمويلية، بهدف جذب الصناعات المتقدمة والتقنيات الحديثة. وفي قطاع النقل والخدمات اللوجستية، تسعى المملكة إلى رفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي من 6% إلى 10% بحلول عام 2030، ومضاعفة حجم الشحن الجوي ليصل إلى 4.5 ملايين طن سنويًا، بما يعزز مكانتها كمركز لوجستي يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا. ويجمع المراقبون على أن ما تشهده المملكة اليوم ليس مجرد تحسن دوري في مؤشرات الاستثمار، بل تحول هيكلي شامل يعيد صياغة دورها في الاقتصاد العالمي. فمع استمرار تنفيذ الإصلاحات، وتكامل المبادرات الحكومية، وتعاظم دور القطاع الخاص، تتجه المملكة بثبات نحو ترسيخ مكانتها كمنافس اقتصادي عالمي، وشريك استراتيجي في سلاسل الإمداد الدولية. في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن البيئة الاستثمارية السعودية دخلت مرحلة جديدة من النضج والتوسع، مدفوعة برؤية واضحة، وإرادة إصلاحية، وثقة دولية متزايدة. وبينما تواصل المملكة مسارها المتسارع نحو تحقيق مستهدفاتها، تبرز كواحة استثمارية واعدة في منطقة تشهد تحولات اقتصادية عميقة، مؤكدة أن التنويع والاستدامة لم يعودا خيارًا، بل أصبحا واقعًا يُترجم بالأرقام والإنجازات. الرياض - حازم بن حسين