في عالم السياسة، لا توجد صداقات أبدية، بل مصالح دائمة، ونموذج التقارب الهندي الإسرائيلي خير شاهد على هذه المقولة. ويتساءل كثيرون كيف لدولة كبرى صاعدة مثل الهند، التي تتبنى خطاباً عالمياً متوازناً، أن تشدّ أواصرها بدولة صغيرة كإسرائيل التي لا تحظى سياساتها الاحتلالية في فلسطين بقبول عالمي. الواقع، أننا أمام مفارقة جغرافية ودينية عميقة؛ فالهند وإسرائيل لا تتقاسمان الحدود، ولا القيم الدينية السائدة، وعلى العكس من ذلك، كانت الهند تاريخياً راعية لحركة عدم الانحياز وصوتاً للعالم النامي، وداعمة للقضية الفلسطينية (صوتت ضد تقسيم فلسطين في الأممالمتحدة عام 1947، واعترفت بفلسطين عام 1988 ضمن أوائل الدول غير العربية). وعلى الضفة الأخرى، تبرز إسرائيل عند خصومها ككيان غربي وظيفي في قلب الشرق الأوسط، وهي منذ نشأتها تعيش حالة ارتباك مع ذاتها وعداوة مع جيرانها. ومع ذلك، يبدو واضحًا تسارع تحول العلاقات بين نيودلهي وتل أبيب وخروج بعض تفاصيلها من مرحلة السرية إلى صفة شراكة استراتيجية مكشوفة. صحيح أن بعض السر يكمن في أن الهند -وهي في طريقها لتكون قوة عظمى- تحتاج إلى «أدوات» وأبواب خلفية للحصول على ما تريد من تقنية وابتكارات عسكرية غربية في طريقها للصعود. ولا يمكن هنا إغفال حقيقة أن هناك إعجاب أيديولوجي صامت من التيار القومي الهندوسي الحاكم في الهند (حزب بهاراتيا جاناتا) بالنموذج الإسرائيلي. حيث يرى القوميون الهنود في إسرائيل نموذجاً للدولة التي نجحت في الحفاظ على «هويتها الثقافية والدينية» وسط محيط معادٍ مع تحقيق تفوق تكنولوجي وعسكري هائل. ولكن إسرائيل تحاول تصوير العلاقة على أنها مقدمات حلف جديد ضد محور المتطرفين المسلمين. وهذا بحسب الإسرائيليين ما تدعمه وقائع زيارة رئيس الوزراء الهندي «ناريندرا مودي» لإسرائيل (25 / 26 فبراير 2026) التي وقّع فيها على 16 اتفاقية وتم فيها إعلان رفع العلاقات بين الطرفين إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية الخاصة». ومن هنا، فإن إسرائيل في هذه العلاقة ليست شريكاً متكافئاً في الوزن الجيوسياسي، بل هي «بائع ووسيط»؛ توفر التكنولوجيا العسكرية المتقدمة التي لا تستطيع واشنطن توريدها مباشرة للهند (بسبب حساسيات التوزان في جوار الصين)، والخبرات الزراعية، والاستخبارات الدقيقة. وبهذا ينظر الهنود إلى تل أبيب كورشة عمل تقنية تساعد في نقل التقنية الغربية واختصار عقود من الزمن في مجال التسليح والتنمية. ومن هنا، يمكن القول إن نيودلهي تنظر لإسرائيل بعين «النفعية»، حيث ترى في تل أبيب وسيطًا وثيقًا بينها وبين الغرب بحجة انهما يواجهان معًا طموح «التنين الصيني» بوصفه عدواً مشتركًا. على الجانب الآخر، إسرائيل تدرك هشاشة موقعها الإقليمي، وارتباك اعتمادها المفرط على الغرب الذي فقدت فيه قسمًا مهمًا من الرأي العام الداعم. وعلى هذا الأساس ترى تل أبيب في الهند سوقاً ضخمة وثقلاً سياسيًّا يكسر عزلتها الدولية. لكن اللغز الأكبر يبقى في كيفية إدارة الهند لهذه العلاقة دون إحراق أوراقها مع العالم العربي والإسلامي. وهنا تظهر حيل الدبلوماسية الهندية التي تشبه «المشي على حبل مشدود». فالهند لم تقم بتقليص علاقاتها العربية، بل طورتها بالتوازي مع تقاربها مع إسرائيل. فهي هنا راهنت على أن الدول العربية، التي طبّعت مع تل أبيب قد كسرت الحاجز النفسي. وهذا سمح لها أن تصافح إسرائيل باليد اليمنى، وتمد يدها اليسرى للعرب باسم المصالح الاقتصادية والاستراتيجية (النفط، العمالة، الاستثمارات)، كما أنها تتناغم مع بعض الدول العربية تحت عنوان محاربة التطرف. ومما يبدو، فإن نشوة تكرار توقعات صعود الهند كقوة عظمى جعلها أقل اكتراثاً بالضغوط التي كانت تكبلها سابقاً، وأن المعادلة لم تعد رهينة بالقضية الفلسطينية وحدها. وفي المحصلة، تبدو العلاقة الهندية - الإسرائيلية بمثابة زواج مصلحة بين الفيل الصاعد والهدهد (الطائر الوطني الرسمي لإسرائيل) الصغير الخائف. * قال ومضى: (لا أرى) المستقبل؛ ولكني (أُبصر) ملامحه..