منذ غابر الأيام كانت الكتابة وسيلة لغوية للتفاهم بين طرفين، ولا تحقق هذه الكتابة غاياتها ومقاصدها إلا من خلال هذين الطرفين، فلا قيمة للكتابة إذا حملت رسالتها، دون طرف مقصود بالخطاب، معني بالتواصل؛ لهذا توسّع اللغويون والنقاد منذ القديم في الحديث عن النظرية التواصلية التي تجمع بين: المرسل، والمرسل إليه، والرسالة. وتحدث البلاغيون العرب قديماً عن عناصر العملية التواصلية، فذكروا بأنها تعتمد على ضرورة تحقق الفهم، ومراعاة مقتضى الحال، أي حال المخاطب، أو حالات التخاطب، وذلك لضمان تحقيق غرض (المرسل) لرسالته؛ لذلك فإن (المبدأ التواصلي) أمر مهم في تحقيق الكتابة أهدافها ومقاصدها، وفي جعل الكلام أكثر نفعاً وتأثيراً. إن المهم في مسألة الكتابة هو النظر إليها بأنها ليست نقل معلومات فحسب، بل هي تفاعل اجتماعي، وثقافي، وعلمي، يهدف إلى تحقيق الفهم المتبادل، والمنفعة العلمية، والمعرفة الثقافية، والذائقة الجمالية؛ ولذلك فإنه عندما وصف العالم اللغوي العربي أبو الفتح عثمانُ بن جِنِّيْ (391ه) اللغة بأنها: "أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم" كان يصف اللغة وصفاً وظيفياً، غير أن وصفه هذا إنما جاء ليحمل في طياته قيمة عالية تؤكد على نفعية اللغة، ونجاعتها، وليس وظيفتها فحسب، فاللغة عنده ظاهرة اجتماعية تنشأ في كل قوم، حيث يمتلك كل مجتمع لغته الخاصة التي تعكس حياته، وأدبه، وثقافته، فيحقق ذلك المجتمع من خلال اللغة أغراضه التي تعني احتياجاته، ومقاصده، وأهدافه، ومنافعه، وتواصله الاجتماعي في مختلف أشكاله وألوانه. وحينما اشتغل اللغوي والناقد الأدبي الروسي (رومان ياكوبسون) على نظريته التواصلية المعروفة أكّد على قيمة المُرسِل (Addresser) الذي ينتج الرسالة. والرسالة (Message) التي هي مضمون المعلومات المنقولة، والمُرسَل إليه (Addressee) الذي هو المتلقي الذي يفك رموز الرسالة، وقناة الاتصال (Contact) التي هي الوسيلة الفيزيائية والنفسية لنقل الرسالة، والرمز (Code) الذي هو اللغة المشتركة بين الأطراف، والسياق (Context) الذي هو الإطار المرجعي للرسالة، ولم يكتفِ بهذا التقسيم، بل أصرّ على أهمية الوظيفة التي تؤديها الكتابة، أو الكلام في العملية التواصلية،كالوظيفة التعبيرية، والوظيفة الندائية، والوظيفة المرجعية، والوظيفة الشعريّة، والوظيفة الانفعالية. إن هذه الوظائف تجعلنا نستلهم ما يمكن أن نسمّيه (درجات التواصل الكتابي ومستوياته)، وهي ما يمكن أن نطلق عليه أيضاً (حيوية التواصل)؛ فبدون هذه الوظائف لن يكون للكلام فائدته، ولا للكتابة قيمتها، فالحيوية هي أصل التواصل، ومن غيرها لن يصبح للكلام، أو الكتابة أي باعث على النشاط، أو الدافعية، أو الإقبال، أو الاقتناع، فلا بد من التفاعل، والحصول على شيء من الأثر الكتابي (العاطفي)، إذا جاز الوصف، أو القوة التواصلية، تلك التي تحرك الشعور، وتوقظ العاطفة، وتُحدِث تأثيراً بين الكاتب والمكتوب إليه، أو المتَحدِث والمتَحدَث إليه، وقد أكّد على مثل هذا الأثر الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني المعاصر (يورغن هابرماس) في بعض إشاراته لنظرية الفعل التواصلي، عندما ركّز على العقلانية التواصلية، والتفاعل الاجتماعي بدلاً من التأثير الأدائي. إن أهم ما يمكن أن تقدمه الكتابة لنا أن تكون مؤثرة في سياقها الذي أنتجت فيه، فلا يعقل أن نكتب في تهنئة، أو تعزية، أو مدح، أو ذم، أو جد أو هزل، دون أن نتأثر، ونُشعر غيرنا بتأثرنا، ودون أن يكون من نكتب إليه متأثراً معنا. وينسحب الأمر على الرسائل اليومية الفورية، كرسائل (الواتساب)، وغيرها من قنوات التواصل الاجتماعي، فكلما كانت كتاباتنا حيوية، متحررة من القوالب، والملصقات، كانت أكثر انتفاعًا وتأثيراً.