ليست كل الصحبة راحة، ولا كل القرب طمأنينة. فبعض العلاقات تبدأ عادية، ثم تتحول مع الوقت إلى عبء نفسي ثقيل، لا بسبب المواقف الكبيرة، بل بسبب أسلوب التفكير الذي يرافقها. هناك أشخاص اعتادوا الشكوى من كل شيء، وانتقاد كل أحد، والبحث الدائم عن النقص والعيوب، حتى في أجمل اللحظات. لا يرون الجانب المضيء، ولا يمنحون أنفسهم أو من حولهم فرصة للشعور بالرضا. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الأسلوب إلى طاقة سلبية تنتقل بصمت إلى من يجالسهم. المشكلة أن التشاؤم معدٍ، فالإنسان بطبيعته يتأثر بمن حوله، ومع كثرة السماع للشكوى والانتقاد، يبدأ العقل بتبني النظرة ذاتها دون أن يشعر، تصبح الأمور أصعب مما هي عليه، وتبدو الحياة وكأنها سلسلة من الإخفاقات، رغم أن الواقع قد يكون مختلفًا تمامًا. صحبة من يرون العيوب فقط تُرهق النفس؛ لأنك تجد نفسك دائمًا في دائرة تبرير أو دفاع أو محاولة إصلاح مزاج لا يريد أن يتغير. ومع الوقت، يفقد الإنسان حماسه، ويقل تفاؤله، ويشعر بثقل لا يعرف مصدره. الابتعاد عن هذه الصحبة ليس قسوة، بل وعي، فالإنسان مسؤول عن سلامه النفسي، وعن البيئة التي يضع نفسه فيها، وليس من الحكمة أن تحارب ضغوط الحياة، ثم تختار بإرادتك من يزيدها. الصحبة الجيدة ليست التي تخلو من النقد، بل التي تنتقد بحب، وتشكو لتبحث عن حل، لا لتبقى أسيرة المشكلة، هي الصحبة التي تذكّرك بالفرص بدل الخسائر، وبما تملك بدل ما ينقصك. الحياة بطبيعتها مليئة بالتحديات، ولا تحتاج لمن يضاعف ثقلها، ولهذا، كان من الحكمة أن يختار الإنسان من يشاركه الطريق، لأن بعض الطرق تصبح أخف.. فقط لأن من يسير معك يعرف كيف يرى الجانب المشرق. في النهاية، السلام النفسي لا يأتي من تغيير العالم حولك، بل من اختيار الأشخاص الذين لا يطفئون نورك كلما حاولت أن تضيء. عبدالرحمن المحمادي