في فضاء تتنفس فيه الجدران ذاكرة ثلاثة قرون، احتضن قصر الأمير عمر بن سعود بحي الطريف التاريخي لقاء «مهد المملكة»، احتفاءً بيوم التأسيس، واستحضارًا لمرحلة مفصلية شكلت البدايات الأولى للدولة السعودية، ورسخت عمقها التاريخي الممتد منذ عام 1727م. لم يكن اللقاء مجرد جلسة حديث، بل تجربة معرفية متكاملة امتزج فيها السرد التاريخي بالعرض البصري، وتحول المكان ذاته إلى شريك في الحكاية. وقدمت الجلسة ريوف بن سبيت، من إدارة الأبحاث والاعتماد في هيئة تطوير الدرعية، عبر عرض تفاعلي تناول الدولة السعودية في أطوارها الثلاثة، موثقًا التحولات السياسية والاجتماعية، ومبرزًا الروابط التاريخية بين السعوديين وأئمتهم وملوكهم. وتضمن العرض شجرة أئمة وملوك الأسرة السعودية، وخرائط توضّح امتداد الدولة عبر مراحلها المختلفة، إلى جانب وثائق تاريخية وصور أرشيفية أعادت إحياء المشهد الأول في الدرعية، بوصفها منطلق الدولة وذاكرتها الحية. كما توقفت الجلسة عند دور المرأة في العهد السعودي الأول، وإسهامها في المجالين الاجتماعي والعلمي، مستعرضة نماذج تؤكد حضورها الفاعل في بنية المجتمع. ولم تغفل القراءة الجوانب الاجتماعية للحياة اليومية، ومنها ملامح شهر رمضان آنذاك، بما يعكس عمق التماسك المجتمعي الذي شكل أحد أعمدة الاستقرار. وشهد اللقاء جانبًا تفاعليًا لافتًا تمثل في إصدار جوازات سفر رمزية لقصور الطريف، حيث يحصل الزائر على ختم خاص عند زيارة كل قصر، في تجربة تحفز الاكتشاف، وتحول الجولة التاريخية إلى رحلة معرفية تعمق ارتباط الحضور بالمكان وتفاصيله. كما احتضنت الفعالية مكتبة مخصصة للكبار والأطفال تضم عناوين توثق تاريخ الدولة السعودية وسير أئمتها وملوكها، إلى جانب قصص مبسطة تعرّف النشء بجذور وطنهم، مع مساحات هادئة خُصصت للقراءة والتأمل. واختُتمت الجولة بجولة ميدانية في حي المريح، حيث انتقل الحضور بين أزقته في امتداد حي للتجربة، ليظل المكان شاهدًا على الحكاية، وتبقى الدرعية بوصفها مهد الدولة منطلقاً لذاكرة وطن يتجدد.