في أمسية ثقافية احتفت بيوم الإذاعة العالمي، أُقيم لقاء بعنوان "دور الإذاعة في إيصال صوت الأدب" في مكتب مدينتي المغرزات والذي نفذه مقهى عنوان الروقان، مع الشريك الأدبي، وبحضور مهتمين بالشأن الثقافي والإعلامي، حيث استعيد الأثير بوصفه مساحة حية لصناعة الوعي، لا مجرد وسيلة تقليدية عبرها الزمن. وقدمت الإعلامية مريم الغامدي تجربتها الإذاعية بلغة امتزج فيها الامتنان بالتأمل، مؤكدة اعتزازها العميق بانتمائها لهذا الوسط، قائلة: "أنا ابنة الإذاعة" عبارة لم تكن توصيفاً مهنيًا فحسب، بل إعلان هوية تشكلت مبكرًا. إذ روت كيف كانت في طفولتها تسكن إلى صوت الراديو، وتلتزم الصمت كلما بدأ البث، مأخوذة بذلك العالم الذي يُبنى من نبرات وكلمات. كانت طفلة تنصت أكثر مما تتحدث، لتكتشف باكرًا أن الصوت وحده قادر على رسم صورة كاملة في الخيال. وأدار الأمسية الإعلامي علاء القيسي، الذي وجه الحوار نحو أسئلة العلاقة بين الأدب والصوت، مستعرضًا الدور التاريخي للإذاعة في احتضان النصوص الشعرية والسردية، وصناعة ذائقة ثقافية عبر برامجها الأدبية ومساحاتها الحوارية التي منحت المبدعين نافذةً واسعة على الجمهور. وتناول اللقاء تحولات المشهد الإعلامي من المذياع التقليدي إلى منصات البودكاست والتطبيقات الرقمية، حيث لم تعد الإذاعة جهازًا في زاوية المنزل، بل تجربة سمعية متنقلة ترافق الإنسان في يومه. ورغم هيمنة الصورة، شددت الغامدي على أن للصوت قدرةً خاصة على ملامسة الوجدان، لأنه يترك للخيال مساحته الحرة، ويجعل المتلقي شريكًا في صناعة المشهد. ولم تكن الأمسية استعادة رومانسية للماضي بقدر ما كانت قراءة في مستقبل الإذاعة فالصوت الذي بدأ حكاية طفلةٍ تنصت في صمت، ما زال اليوم يحمل الأدب إلى آفاق أبعد، مؤكدًا أن الأثير ليس ذاكرة فحسب، بل امتدادٌ حي للمعنى.