جنوب اليمن أحد أكثر ملفات الصراع اليمني تعقيدًا، ليس فقط بسبب تداخله مع الحرب المستمرة منذ سنوات، بل لأنه يحمل في جوهره قضية سياسية واجتماعية سابقة على اندلاع النزاع الحالي، فالقضية الجنوبية، التي تعود جذورها إلى ما قبل عام 2011، وبما تحمله من مظالم تاريخية وتطلعات متباينة، وجدت نفسها في قلب صراع إقليمي واسع، وحرب داخلية تتأثر بتطوراتها، وتعيد إنتاج نفسها ضمن توازنات محلية وإقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيه حسابات الداخل مع حسابات قوى إقليمية متشابكة. وعلى خلاف الصورة الشائعة التي تختزل الجنوب في كونه ساحة نفوذ أو جبهة ثانوية، فإن الواقع يشير إلى مشهد أكثر تركيبًا، تتداخل فيه هويات سياسية متعددة، وسلطات أمر واقع، وتطلعات سياسية قديمة بالاستقلال أو الحكم الذاتي مع واقع أمني هش، واقتصاد منهك، وأزمات معيشية خانقة، في ظل غياب دولة مركزية قادرة على بسط نفوذها و إدارة التوازنات واحتواء الزعامات المحلية. تنطلق المقاربة السعودية لليمن عمومًا من اعتبارات متعددة تاريخيّة وإنسانية وقيمية ومن اعتبارات أمن قومي هامة للغاية، فالمملكة التي تشترك مع اليمن بحدود جغرافية طويلة، ترى في أي تفكك للدولة اليمنية تهديدًا مباشرًا، قد يفتح الباب أمام فراغات أمنية وصراعات ممتدة على حدودها الجنوبية. من هذا المنطلق، حافظت الرياض على دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، بوصفها الإطار السياسي الشرعي الجامع، رغم ما تعانيه هذه الحكومة من ضعف فعلي في مؤسساتها وقدرتها على فرض سيطرتها الميدانية. وفي الجنوب، لعبت السعودية دور الوسيط بين القوى المختلفة وأجنداتها المتضاربة الموضوعة على طاولة الاجتماعات، أو التي تتعارك تحتها، تسعى السعودي بنزاهة إلى احتواء الخلافات، التي تُنشِب أظافرها في جسد اليمن المُعتل، ودعوني هنا أضع خطاً تحت ب«نزاهة»، فالسياسة غالبًا أو قل دائمًا قذرة تعمل لمصالح خاصة تخلق لها الذرائع المشروعة علنًا، وتسكب السم في الخفاء بدم بارد لتحقيق أجنداتها الخاصة بدماء الأبرياء. غير أن الدور السعودي واجه تحديات كبيرة، أبرزها عمق الانقسامات المحلية، وتباين أولويات الحلفاء ومنطلقاتهم!، فضلًا عن صعوبة فرض حلول سياسية دائمة في بيئة شديدة الانقسام والتغير والتعقيد، فالقوى الجنوبية نفسها ليست كتلة واحدة، بل تعاني انقسامات سياسية ومناطقية، وتباينًا في الرؤى حول مستقبل الجنوب، بين من يطالب بالانفصال الكامل، ومن يدعو إلى صيغ فيدرالية أو ترتيبات حكم ذاتي. كما أن جوهر القضية الجنوبية لا يقتصر على مسألة الشكل السياسي للدولة، بل يمتد إلى أسئلة أعمق تتعلق بالحكم الرشيد، والتمثيل العادل، وتقاسم الثروة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة، فأي تسوية مستدامة تظل مشروطة بإطلاق عملية سياسية يمنية– يمنية، تعترف بخصوصية الجنوب، وتعالج جذور قضيته، ضمن إطار قابل للحياة والاستمرار. وهذا ما تتبناه السعودية وتدعو إليه، حيث شهدت الرياض في يناير 2026 لقاءات تشاورية مكثفة لقيادات جنوبية يمنية، برعاية سعودية، لتعزيز وحدة الصف والتمهيد لمؤتمر حوار جنوبي- جنوبي شامل، مؤتمر حوار الرياض فرصة تاريخية لحل قضية الجنوب وتقرير مصيره، وحتى يتحقق ذلك، سيبقى الجنوب مساحة مفتوحة على الاحتمالات، تتأرجح بين استقرار هش وانقسام طويل الأمد، مع ما يحمله ذلك من تداعيات تتجاوز حدود اليمن إلى الإقليم بأسره.