ما تشهده المنطقة العربية في السنوات الأخيرة من ارتفاع صوت خطاب الانفصال وصعود قوى محلية مسلحة أو شبه سياسية لا يمكن فهمه بوصفه ظاهرة معزولة أو نتاج ظروف داخلية خالصة. كما لا يصحُّ اختزاله في وصف "مؤامرة" مكتملة الأركان تُدار من الخارج وحده. ولعلّ الأدقّ أن يُنظر إليه كحصيلة تفاعل مركّب بين هشاشة الدولة الوطنية، وتراكم المظالم السياسية والاجتماعية، وتدافع مشروعات إقليمية ودولية وجدت الفرصة لإعادة ترتيب المصالح والنفوذ. وفي هذا السياق، تبرز شخصيات انفصالية فاعلة في المشهد العربي اليوم تعبيرًا عن هذه اللحظة التاريخية التي تتقاطع فيها الطموحات المحلية مع الأجندات الخارجية. وعلى وقع التناقضات والمصالح تٌحرك هذه "البيادق: في لعبة إعادة رسم الخرائط، وترسيخ نموذج الدولة الهشة التي تُدار بالتوازنات والتسويات لا بالمواطنة. تاريخيًا، بدأت هذه الترتيبات أفكارًا طرحها شمعون بيريز عام 1993 ضمن تصورات مختلفة لإعادة تشكيل الإقليم، وربط الاستقرار بالتكامل الاقتصادي ودمج إسرائيل في محيطها. ثم اُستبدلت العناوين بمشروعات تحت شعارات "الإصلاح" و"الديمقراطية" التي رُفعت بعد 2001 (إدارة بوش)، وانتهاءً بمقاربات أكثر براغماتية تقوم على إدارة الفوضى (الخلّاقة) بدل حلّها (أحيتها كوندوليزا رايس عام 2006). ولأن هذه المشروعات لم تتحقّق بصيغها النظرية، فقد أُضطر رُعاتها ووكلاؤهم إلى إعادة طريقة التفكير. وربما توصلوا إلى حقيقة أن إضعاف الدول المركزية لم يُعد دائمًا خطرًا، بل قد يُنظر إليه أحيانًا كوسيلة لإعادة الضبط والتحكم من الداخل. وفي هذا الفراغ، تم تصعيد لاعبين محليين يمتلكون تبرير "عقدة" الجاهزية. ومن هؤلاء حفتر في ليبيا، وحميدتي السودان، والزبيدي في اليمن، والهجري سورية، على أن تتولّى رعايتهم دول إقليمية طموحة تسعى للنفوذ بخدمة المشروع دون المغامرة بمواجهة مباشرة مع الدول المركزية في الإقليم. وهكذا، جاء تصعيد خليفة حفتر في ليبيا، في بيئة انهارت فيها مؤسسات الدولة عقب عام 2011. ومنح خطاب "محاربة الإرهاب" مشروعه واجهة شرعية نسبية، ولكنها لم تستطع إخفاء حقيقة أنه أسهم في تكريس الانقسام في موطنه، وإضعاف فرص بناء سلطة وطنية موحدة. وهنا لا يمكن فصل الدعم الإقليمي الذي تلقاه حفتر عن مخاوف حقيقية لدى بعض الدول من الفوضى وانتشار الجماعات المسلحة، لكنه في الحقيقة خادم لمشروع التفكيك وأبقى ليبيا ساحة مفتوحة للتجاذب، ومهمازًا في خاصرة مصر. وفي السودان، مثّل محمد حمدان دقلو نتاجًا مباشرًا لمسار طويل من عسكرة هوامش السودان وتدويل أزماته. وكان مشروع تحويله من قائد ميليشيا محلية إلى لاعب مركزي هدفًا تلاقت فيه طموحات محور داعمي اتفاقات إبراهيم والمستفيدين منها. ومن هنا، فإن الصراع الراهن لا يحمل بالضرورة مشروع انفصال تقليدي، لكنه يهدد بتفكك فعلي للدولة عبر مراكز قوة متنافسة، ما يفتح الباب أمام القوى الإقليمية الراعية للحرب والتي لا ترى في السودان سوى مساحة استراتيجية على البحر الأحمر وشرق أفريقيا. أما في اليمن، فإن خطاب الانفصال الجنوبي الذي يتبناه "عيدروس" المجلس الانتقالي لا يمكن عزله عن مظالم تاريخية تعود إلى ما بعد الوحدة، ولا عن فراغ الدولة الذي عمّقته الحرب. غير أن تحوّل هذا الخطاب إلى مشروع سياسي انفصالي مسلح ومدعوم خارجيًا، يجعله جزءًا من المعادلة الإقليمية التي تتجاوز الداخل اليمني، إلى التأثير المباشر على أمن المملكة، ناهيك عن اختلاط حسابات الهيمنة على الأمن البحري والتنافس على الممرات الحيوية بمصير الدولة نفسها. وفي سورية، تبرز طروحات "حكمت الهجري" حول "الإدارة الذاتية" أو الخصوصيات المحلية في الجنوب كنتاج انفصالي لسنوات الحرب والإنهاك. لكنها في الواقع، تتداخل بوضوح مع "أجندات" أمنية إقليمية، ولا سيما في ظل وجود إسرائيل في عمق المشهد. وهنا لا يظهر موضوع الانفصال بالمعنى الصريح، ولكنه يراكم وقائع محلية لتكون متاحة للتدويل عند أي تسوية. الخلاصة، يبدو أن الجامع المشترك بين هذه الحالات ليس وحدة القيادة (إسرائيل ووكلاء اتفاقات إبراهيم) ولا تطابق الأهداف فقط، بل تشابه البنية: دول ضعفت مؤسساتها، ونخب عسكرية أو محلية ملأت الفراغ، ودعم خارجي متربّص وجد في هذه الأدوات ماكينات صماء برسم الإيجار. * قال ومضى: في تاريخ الدول.. الانقسام لا يصنع الحرية، بل يغيّر سيدها.