صاحب تطور الدولة السودانية نوع من الخلل خلال مرحلة الانتقال من مجتمع القبيلة إلى مجتمع الدولة، ولم يأت التطور في سياق التطور الطبيعي للدولة لتعاقب نظم حكم دخيلة «الاستعمار التركي، والبريطاني» نقلت المجتمع السوداني نقلة غير تدريجية من مجتمع القبلية إلى مجتمع الدولة، وصاحبت النقلة جملة من الإفرازات السالبة التي شكلت لاحقاً الموروث الثقافي والسياسي للبلاد. وتمثل ذلك في البناء التركيبي لهيكلية البنية السياسية في السودان وإغفالها للتعدد العرقي والثقافي في البلاد مما تسبب في المظالم التاريخية التي لحقت بشريحة واسعة من السودانيين. وأفرد هذا الواقع الصراع المرير الذي شهدته البلاد منذ الاستقلال لنيل الحقوق الأساسية للمهمشين. وشكل الصراع بوابة للمصالح الأجنبية تسللت من خلاله إلى البلاد لتفرض حضورها في الصراع السوداني السوداني. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل تحقق مشاكوس السلام في السودان أم الانفصال في ظل تباين المصالح الدولية والإقليمية من خلال الاتفاق المفروض دولياً على طرفي الصراع «الحركة الشعبية بزعامة الدكتور جون قرنق» و«الحكومة السودانية»؟. المصالح الأمريكية في السودان المصالح الأمريكية في السودان مصالح اقتصادية بحتة وهي تختلف كلياً عن مصالح جماعات الضغط الأمريكية المؤيدة لاسرائيل «اللوبي الصهيوني» و«اليمين المسيحي المتصهين». فالشاهد أن أجندة إدارة بوش الجمهورية نفطية بحتة تهدف إلى إيجاد مصادر بترولية بديلة لمنظومة أوبك. فحاولت توظيف معطيات الواقع لتحقيق أجندتها، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر، بدءا من قيادتها تحالفاً دولياً ظاهرة مكافحة الإرهاب والقضاء على حكومة طالبان التي تأوي الإرهابيين. وحقيقته سعي واشنطن إلى إيجاد موطئ قدم في منطقة بحر قزوين الغنية بالنفط، وخاصة أن المنطقة تعتبر منطقة عداء تقليدي للولايات المتحدة لوجود ايران وروسيا. لذلك أرادت أن تفكك ما تبقى من منظومة الاتحاد السوفيتي السابق وإعادة بناء المنطقة بما يتوافق مع مصالحها. فكانت أفغانستان الثغرة التي يمكن أن تنفذ من خلالها لتحقيق أهدافها لوجود حالة اللادولة، بذلك يكون بمقدور واشنطن بناء دولة وترتيب الأوضاع فيها بما يتفق مع مصالحها الاستراتيجية في المنطقة. وفي السياق ذاته يمكن استيعاب المحاولة الانقلابية في فنرويلا ومحاولة انسحاب نيجيريا الدولة الغنية بالنفط من أوبك، وإطلاق العنان لغلاة المتطرفين في المراكز البحثية والاستشارية داخل الإدارة الأمريكية لمهاجمة السعودية كبرى الدول المنتجة للنفط، ومحاولة ضرب العراق والإطاحة بصدام حسين وإحلال حكومة بديلة لنظامه من صنع الدوائر الاستخبارية الأمريكية، وفتح الملف الايراني بحجة المفاعلات النووية. وما يحدث الآن في مشاكوس ليس بمعزل عن التطورات سابقة الذكر. فالشركات الأمريكية أرادت أن تأخذ نصيبها من بترول السودان بدلا من تركه غنيمة سهلة للصين التي يراها الجمهوريون في أجندتهم منافساً محتملاً خلاف الديمقراطيين الذين يرون في بكين شريكاً محتملاً، وخاصة أن الصين تراهن أن يكون السودان نموذجها التنموي في دول العالم الثالث لذلك ألقت بكامل ثقلها في السودان تحقيقاً لأهدافها الاستراتيجية، فكانت مشاكوس ترجمة لذلك الواقع، فأرادت وانشنطن تحقيق الأمن والاستقرار في السودان تمهيداً لقدوم شركاتها النفطية للعمل في السودان، وخاصة أن الأمن ركيزة أساسية للاستثمار والتنمية، لذلك ضغطت واشنطن على طرفي الصراع بأوراق تملكها. حيث ضغطت على الطرف الحكومي للمحاكمة في واشنطن خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر. وتهديد النظام بإحلال المعارضة الشمالية بديلا عنه في حال عدم رضوخه للأجندة المطروحة. وكما ضغطت على الحركة الشعبية بأوراق في أيدي واشنطن منها اعتبار الحركة منظمة إرهابية يمكن للخرطوم المطالبة بملاحقتها دولياً وفقاً للمفهوم الجديد للإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر بجانب تجفيف أهم مصادر التمويل القادم من منظمات اليمين المسيحي الداعم للحركة. وأرادت واشنطن تحقيق مصالحها من خلال أقوى أطراف الصراع السوداني السوداني دون مرعاة لقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تدعي حمايتها، وتدور المفاوضات الآن بين طرفين كلاهما متهم بانتهاك حقوق الإنسان، بينما تنادي أطراف المعارضة الأخرى الشمالية والجنوبية بالديمقراطية وحقوق الإنسان والحل السياسي الشامل وإقامة دولة المؤسسات والمواطنة. ورجحت أمريكا مصالحها على القيم التي تنادي بها. هل تساند واشنطن خيار الانفصال ؟ مما سبق أوضح بجلاء أن مساعي واشنطن لتحقيق السلام في السودان لم يكن لاعتبارات أخلاقية أو أيديولوجية بل كانت لتحقيق أهداف محدودة ضمن إطار سياسة عامة للإدارة الجمهورية. وأجندة أمريكا في السودان بترولية بحتة، والبترول والمعادن الأخرى لا ينحصر وجودها في جنوب السودان، بل تتوزع جغرافياً في أنحاء البلاد المختلفة. وفي حال انفصال الجنوب لن يكون هناك منفذ لتصدير البترول وشحنه إلا من خلال ميناء مومبسا الكيني، واقتصادياً يعتبر ذلك مكلفاً. كما أن انفصال الجنوب وقيام دولته المستقلة من شأنه أن يولد صراعاً جديداً حول السلطة بين القبائل الجنوبية. وسيتخذ شكل الصراع طابعاً قبلياً يتوقع أن يكون أشد بأساً من الصراع الحالي بين الجنوب والشمال لتباين البنية التركيبية لقبائل جنوب السودان واختلاف القيم السلوكية والثقافية. لذلك من البديهي أن تدعم أمريكا خيار الوحدة حرصاً لعدم تجدد الصراع، لأنها أرادت أن تكون مشاكوس نقطة اللاعودة في الصراع السوداني السوداني، لخلق الاستقرار والأمن بما يمكن شركاتها من العمل على استخراج النفط وتصديره إلى حيثما تريد. لذلك ان محاولتها لإرساء دعائم السلام في السودان لم تكن من منطلق أخلاقي بل مصلحي بحت. وأن دفعها أطراف الصراع إلى طاولة المفاوضات جاء بعد دراسة تقييمية شاملة للأوضاع أعدها نخبة من الخبراء العاملين في مركز الدراسات الاستراتيجية الأمريكية بما فيهم خبراء سودانيون، قدموا حزمة مقترحات تحمل رؤى لحل مجمل القضايا الخلافية، وهي الآن تقدم لأطراف الصراع قبل بدء أية جولة من المفاوضات. ومعطيات الواقع تشير إلى أن واشنطن لا يمكن أن تقدم على فصل جنوب السودان، ولكن ذلك غير كافٍ لإبعاد شبح الانفصال عن البلاد. الدوائر المهتمة بفصل جنوب السودان هناك دوائر مهتمة بعملية فصل جنوب السودان لخدمة أهداف استراتيجية عليا تخصها، وتجد في خيار تقرير المصير فرصة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية. ويتوقع أن تعمل جاهدة خلال فترة الست السنوات الانتقالية لتعزيز خيار الانفصال، بتعبئة القواعد الجماهيرية في جنوب السودان ودفعها نحو الانفصال. وستعمل هذه الفئة على استغلال وتوظيف الروح التعبوية نحو الأجندة الحربية داخل قواعد الحركة الشعبية لدفعها لمواصلة الحرب. لذلك فان احتمال استمرار الحرب وخطر الانفصال قائم لوجود تيار جنوبي انفصالي داخل حركة قرنق وخارجها. وأن قرنق بذل جهوداً سياسية مضنية لترسيخ الخيار الوحدوي على أساس المواطنة. إلا أن ذلك غير كافٍ اذا لم يتم إفراغ القواعد الجماهيرية للحركة من الأجندة الحربية التي عبرت بها طوال فترة ال 19 عاماً الماضية، وشحنها بقيم السلام، وتوطين الكوادر القتالية في مشروعات التنمية واستيعابها ضمن منظومة المجتمع المدني، وكذلك الكوادر والعناصر الحربية التابعة للحزب الحاكم ان لم يتم إفراغها من الشحنات التي عبأت بها نحو الحرب والقتال، حتما انها ستشكل مراكز قوى داخل حكومة الخرطوم لتعزيز الأجندة الحربية بدلا عن السلام، وستعمل جاهدة لعرقلة أي مشروع سلمي في البلاد. وإذا نظرنا إلى طبيعة التنشئة السياسية لدى طرفي الصراع «الحركة والحكومة» نجدها تربية عسكرية صرفة تمجد ثقافة الموت وإلحاق الأذى بالآخر، لذلك ليس من السهل التحول إلى النقيض بين ليلة وضحاها. وهناك عوامل أخرى تعزز من الخيار الوحدوي من بينها وجود الدكتور جون قرنق ديمبيور على رأس قيادة الحركة السياسية الجنوبية، وان ذلك يعتبر ضماناً لوحدة السودان انطلاقاً من خلفيته الأيديولوجية وإيمانه المطلق بوحدة القارة واحتذائه بقادة افريقيا التاريخيين أمثال نيلسون مانديلا وجليوس نيريري ونكروما وسيكتوري. ولكن مخاوف الانفصال واستمرار الحرب تكمن في وجود التيار الانفصالي، وهذا التيار يمكن أن يغذى من اسرائيل وجماعات الضغط الصهيوني المؤيد لها في أمريكا، واليمين المسيحي المتصهين. ومصالح اسرائيل في جنوب السودان تختلف كلياً عن المصالح الأمريكية. وتمثل منطقة البحيرات بصفة عامة وجنوب السودان بصفة خاصة منطقة استراتيجية حيوية للمصالح الاسرائيلي. وتسعى تل أبيب إلى فصل جنوب السودان لإقامة دويلات ضعيفة بهدف التحكم في مائية نهر النيل وامتلاك سلاح استراتيجي فعال ضد مصر. كما تهدف أيضا إلى إقامة جدار حاجز ما بين الإسلام والعروبة وافريقيا تخوفاً من تمدد المد الإسلامي العروبي إلى القارة الافريقية. أما الهدف الثانوي هو استغلال الموارد الاقتصادية لجنوب السودان لصالح دولة الكيان وحرمان الدولة السودانية من فرصة النمو والتطور وإبقاء حالة الفقر للشعب السوداني، وأن ذلك يأتي ضمن سياق استراتيجية تل أبيب الساعية إلى إفقار خصومها لكي بصبح الهم المعيشي الشغل الشاغل لأعدائها، بدلا من التفرق والإعداد للمعركة الفاصلة. ويمكن لمصر أن تلعب دوراً بارزاً في ضمان وحدة السودان وتجنيب البلاد خيار الانفصال بحشد التأييد العربي للتيار الوحدوي داخل الحركة الشعبية والحكومة السودانية، ودفع الدول العربية في اتجاه تنمية وإعمار جنوب السودان والمساعدة في إزالة المظالم التاريخية، وترميم جسور الثقة وإزالة الترسبات التاريخية لدى سكان جنوب السودان وبناء صورة ذهنية إيجابية جديدة عن العرب. والمطلوب من القاهرة التعامل بواقعية بعيدة عن الانفعال العاطفي تعيد الأمور إلى نصابها الطبيعي لأن خيار انفصال جنوب السودان يحمل في طياته مخاطر استراتيجية على الأمن القومي المصري.ومن المتوقع أن يتحرك أصحاب المصالح الانفصالية بقوة على المستويات الدولية والإقليمية والمحلية كافة لحشد التأييد المطلوب لانفصال جنوب السودان، بجانب توظيف الخلافات الداخلية وتغذيتها لتحقيق أجندتهم. (*) كاتب صحفي سوداني