يتخذ وائل حلّاق كتاب «الاستشراق» لإدوارد سعيد نموذجاً لنقد الناقدين للاستشراق؛ لأنه لا يصل بين الاستشراق وأصوله البنيويّة، معتمداً على أدوات ميشيل فوكو الخطابية، والتي يستعملها سعيد -بحسب وائل- مع النص لا الخطاب! (كما تقدّم في المقال السالف). ومن أدوات ميشيل فوكو «المعرفة والقوّة»، التي يستعملها وائل حلاق في كتابه «قصور الاستشراق» لكشف التشابك المعقد بين المعرفة والقوة. وقد نصّ على: أنّ سعيداً دعم الاستشراق حينما طمسها، ولاعتقاده أن انطماس هذه العلاقات، وعدم الكشف عنها، ليس لتسطيح فكري ومعرفي، وإنما لمراوغة التشكلات الخطابية الحداثية. لذا يستهدف وائل هذه التشكلات بالكشف عن طبقاتها، وصولاً للبنية. وهي أداة من أدوات فوكو، الذي طبقها على تاريخ أوروبي في زمن محدد، ويستعملها وائل ليظهر عدم التلازم العضوي بين القوّة والمعرفة -كما يقول- من خلال آلية «المقارنة» بين متقابلين، وهذين المتقابلين نموذجان تحت مطلب «دراسة حالة study case»، وأحد النموذجين هو «التراث الإسلامي ما قبل الحداثيّ» مقابل «الحداثة»، ليبين أن لفظيّ المعرفة والقوة خلال مختلف الثقافات كل منهما يحيل لعدّة معانٍ، فلا تستقيم العلاقة مع هذا التفاوت الدلالي، كما أنّ المقارنة التاريخية تجلّي عدم التلازم بين القوة والمعرفة، بل هي انفكاك، وأمّا الالتحام فبحسب السياقات؛ وتجلّيه كان في السياق الحداثيّ. والسؤال: كيف نتج التلازم بين القوّة والمعرفة أو «المعرفة السيادية»؟ يحيل مباشرة إلى التاريخ، في القرنين السابع عشر والثامن عشر، ففيهما أُنتجت أنواع من المعرفة طوّعت نفسها بتدرج للقوة التي استغلتها، أي بتراتبية: إنتاج أشكال من المعرفة، فتطويع نفسها تدريجياً للقوة، فإنتاج شكل معرفي مؤسس بوصفه شكلاً سيادياً يسمو على الطبيعة، فنتجت «الدولة الحديثة» أوروبياً، والتي أنتجت أفرادها من خلال مؤسسات تهندسهم، وأهم آلياتها القوننة والتعليم الحداثي؛ تشكيلاً للذات الحديثة. فالاستشراق -بحسب وائل- لم يبدأ من تصور الذات الأوروبية للذات الشرقية أو غير الأوروبية عموماً، بل من هذه اللحظة وهي «إنتاج الذات الحديثة»، التي استعمرت الذات الأوروبية، وأحدثت قطيعة، أنتجت ذاتاً حداثية تعيد تشكيل العالم والذوات وفق هذه المنظومة؛ فهي ذوات إنسانية جديدة تشكّلت من خلال المعرفة والقوّة، وتعيد تشكيل الآخر ب «الخطاب»، وهو هنا خطاب أداتي، لا مجرّد نص يزيف الصورة كما ظنّ سعيد من خلال نص الاستشراق. وحينها فالاستشراق حقل معرفي متخصص في تشكيل الآخر (بمعنى غير الذات الحداثية)، لا يقصد منطقة جغرافية، بل هو نتيجة لنطاق مركزي في زمن ما. فالاستشراق عند وائل إعادة لتشكيل الآخر، وأول آخر أعاد تشكيله هو الأوروبي الغربي الحداثي، والأميركي، فالعالم كافة. فليس الاستشراق دراسة منطقة جغرافية بل هو دراسة آليات تشكيل ذات الآخر عبر الخطاب (الخطاب بواسطة الأدائية) من قِبل الذات الأوروبية الحداثية. ومن ثمّ إعادة الوصل بين الممارسات الكولونيالية والخطاب الكولونيالي، لكشف «الأدائية» (بمعنى نفاذ الخطاب بالقوّة)، وصلاً ل»الاستشراق» ببنية فكر عصر التنوير. ولئن عرّف سعيد المستشرق من حيث معاكسته للشرقي قيمياً وماديّاً، فإن وائلاً يعرّف الاستشراق بالذات الكولونيالية التي لم تتكون من خلال مقابلة الآخر بذكر مزاياها، بل هي ذات تشكلت أولاً من علاقة القوة والمعرفة «الذات الحداثية»، التي تمظهرت في عدة ظواهر، منها الظاهرة الكولونيالية، والتي أنتجت «الذات الكولونيالية»، ومن مجالاتها المعرفية «الأكاديمياً»، ف»الذات الأكاديمية» أيضاً من ذات البنية. و»الذات الاستشراقية» من «الذات الكولونيالية» عبر إعادة تشكيلها أولاً -لا مجرّد تعريفها- للآخر، الذي يتجاوز الحد الجغرافي، إلى كل آخر غير حداثي. والمدهش أن وائلاً حينما انتقد سعيداً عند استعماله لأدوات فوكو، خصوصاً تشكلات الخطاب؛ انتقده من حيث خروجه عن النطاق التاريخي الذي حدده فوكو! في حين يسمح وائل لنفسه بالخروج من هذا النطاق التاريخي، ودراسة حالات عدّة وفق تشكلات خطابية! فضلاً عن استبعاده الحقبة الآنية من تصنيفات فوكو! ويمكن طرح خط تنظيم لرؤية الاستشراق بين سعيد وحلاق في: الاستشراق بأدوات التشكلات الخطابية الفوكوية بين سعيد ووائل، ومدى التزامهما بمنهج فوكو، وسبب خروج كل منهما عنه، وهل يصح أن يحاكم أحدهما الآخر وفق مرجعية الخطاب الفوكوي بوصفه معياراً لا محيد عنه؟.