إن الانغمار مع شخص ناقد لغيره قد يحجب المتلقي عن الأدوات الصانعة لهذا النقد، مثل نصوص وائل حلّاق الناقدة للحداثة. فعند تحليل نقده ل»الاستشراق» ولرؤية «إدوارد سعيد» خاصّة، يظهر سؤال مركزيّ هو: «كيف انتقد وائل حلّاق إدوارد سعيد؟» والجواب الممكن حسب حجم هذه المقالة سيكون موجزاً دالّاً على أداة النقد الأساسيّة، وإشكاليته الأمّ هل «الاستشراق» نصّ أم خطاب؟ وأُمهد بمثالين للتمييز القادم بين ما أسميته: «النص السعيدي» و»الخطاب الحلّاقي»؛ فالأوّل تقريبه بالكلام الوصفي، ك»الشمس طالعة» جملة وصفية؛ فمن جهة المنطق تحتمل الصدق والكذب، ومن جهة الدلالة تحتمل الظاهر والتأويل، ومن جهة التركيب تحتمل الصحة والفساد. ومثال الثاني: جملة «بعتك البيت» (كألفاظ العقود في الفقه)؛ فهي جملة فعل إنجازي، تقتضي إنفاذاً متى كان قائلها مالكاً للبيت. ووفق النوع الأول (أي «الجمل التقريرية») نصّ إدوارد سعيد -بحسب وائل حلّاق-، والنوع الثاني («الجمل الأدائية») هي بديل وائل حلّاق عن نصّ سعيد للتعريف بالخطاب الاستشراقيّ. فمردّ نقد «وائل حلّاق» ل «إدوارد سعيد» في خاتمة التحليل إلى «الأداة اللغويّة»، وكلاهما يستمد أصلها من ميشيل فوكو (الخطاب)، غير أن وائل يضع استعمال «إدوارد سعيد» بمثابة «النصّ» لا «الخطاب». كما أنهما ينظران للمادة الاستشراقيّة نفسها (النصوص الغربيّة الأوروبيّة المكتوبة عن الآخر عامّة والمشرق خاصة)؛ فالمعطيات واحدة، ولكن اختلفت المخرجات لاختلاف الأدوات، والمقدمات، كما اختلف تعريف «الاستشراق» بين الآخر المأخوذ في تعريف الذات (سعيد)، والآخر من حيث هو موضوع لسيطرة الذات المكتفية بتعريف ذاتها (حلّاق). فكلاهما يرى «الاستشراق» بياناً له فعالية واقعيّة، ويفترقان في مدى إلزاميّة هذا البيان بمقتضياته. ومن هنا يرى وائل حلّاق أن سعيداً نظر إلى الاستشراق بوصفه «نصّاً»؛ له دلالة تمثيلية معيّنة، واصفة للشرق المغاير للغرب، تكشف عن شخصية الواصف، وعن الصورة التي يصف بها الآخر الشرقيّ، والمرتبطة بالصلة السياسية العنصرية للغرب الأوروبي الاستعماريّ، وخصوصاً تشكّلها في الأدبيات المعبرة عن المخيّلة الشعبية لا مجرد المعارف المقدّمة لصنع سياسات محددة، أو هي نتيجة لها. ولو أعاد وائل النظر لوجد أنّ الأدبيات تغذّي الخلفية الوجدانيّة الغربية الأوروبية التي تسوّغ السياسات العنصرية والتدميريّة، ومن ثم فكشف التصوّرات يقطع المشروعيّة عن الأداة العنصرية الغربية الاستعماريّة، ويدفع بشعوبهم للضغط عليهم، وهذا مما وجّه إليه مشروع سعيد، وما تبعه من دراسات ومجالات لحقت منعطفهُ، كدراسات التابع وغيرها. أمّا «وائل حلّاق» فرؤيته للمعطى الاستشراقي البياني رؤية ل «الخطاب»، لا لاحتمالية وصفيّة تقريريّة فيه، بل هو منطوقات أدائيّة، لها فعالية تشكّل الذات المقصودة، وهو أصلاً من مخرجات ذات أُعيد تشكيلها ب «الخطاب»؛ قوة أفعال إنجازية، يُفهم بأداة «الأدائيّة- performativity»، وحتمية وقوعه تشترط «الملائمة» (وهي دلالات في أصلها من فلسفة اللغة وتحليل الخطاب). فعندما ينطق المستشرق فهو فاعل بالضرورة، لمنطوقات أُنجزت أو ستُنجز، أي الخطاب إيقاعٌ لفعلٍ ضرورةً. ومن التمييز الأوّليّ بين «النصّ السعيدي» و»الخطاب الحلّاقي»؛ يمكننا فهم أساس نقد حلّاق لسعيد، حينما وسم صنيع هذا الأخير ب»النصّ»، مميزاً له عن «الخطاب الاستشراقي»، دون أن يضع المقارنة في محلّها، وهي: «الخطاب السعيدي» و»الخطاب الحلّاق» في استعمالهما لدلالة «الخطاب» في التعامل مع النصّ الاستشراقيّ. فكلاهما وقف أمام هذا المعطى، بأداة لغوية، كيفها كل منهما بحسبه، وإن كان المرجع المعياري هو تعريف فوكو للخطاب، فذا يعني الحكم بصحة التطبيق للأداة! وهذا قد يدخل حلّاق نفسه في ذات الإشكاليّة. وبرهان تخطئة حلّاق لاستعمال إدوارد سعيد، أنه يصف نقده ب «النصّ» المساعد لليبرالية والإمبريالية، حينما غطّى وعمّى الخطاب الاستشراقي عن صلته البنيوية بالحداثة؛ إذ الاستشراق ليس مجرد تحيّز ضد الآخر، بل هو وجه كاشف لبنية أصلية أساسية هي «الحداثة»، ونص سعيد رسّخ هذه البنية حينما اكتفى بالوجه السطحي للخطاب الاستشراقي، ولم يبيّن الأسس الكولونيالية للبُنية الحداثية. ف»الاستشراق» عند سعيد -بحسب وائل- نصّ صلد مغلق أو منغلق على ذاته، يمكن أن يتواطأ مع السلطة (أي إمكانية انفكاك العلاقة بنيوياً)، والمؤلف الاستشراقي وحدة كاشفة عن تصورات الغربي العنصريّ. ليردّ عليه وائل أن الاستشراق «خطاب غير منغلق»، بل هو ممتد أفقياً وعمودياً خلال المشروع الحداثي، وهو مجرد فرع تابع لأصل، فالتبعية تعني الاتصال البنيوي الضروريّ، وموقع المؤلّف فيه بحسب النطاق المركزي ووظيفته فيه.