وائل حلّاق في جل أطروحته، وفي إطاره النظري الأهمّ «نظرية النماذج» (كما شرحها في كتابين، بوصفها المؤطر الأساسي لكل ما يكتب)؛ يستند لا على أدوات ميشيل فوكو المعرفية وحسب، بل وعلى فلسفاته العميقة، ونظرته للتاريخ، وإدخال الناس ل»الحداثة» وإخراجهم منها، بمعيار فلسفي تأويلي، أصله «الإبستيمية»، مع بعض التعديل والتغيير على نظريات فوكو. ومن ذلك «نظرية موت المؤلّف» التي من خلالها انتقد وائل حلّاق «إدوارد سعيد»، وبيّن موضعه من أصناف المؤلّفين، مصرحاً بأخذها مباشرة من ميشيل فوكو. وموجز رؤيته لنظرية «موت المؤلّف» في تطبيقها على الحقل الاستشراقي هي: هناك خطاب نطاق مركزي، والمؤلفون تجاهه صنفان: «مؤلف طيّع» وهو «المؤلف الميت»؛ من داخل النطاق المركزي للقوّة، فهو مجرد أثر من آثار القوّة، وإلى هذا الصنف ينتمي غالبية المؤلفين. و»مؤلّف خطابي» وهو المؤلّف الذي خرج من تشكيل خطابي معين، ثم تجاوزه عبر مراحل، ووضع حدوداً عامّة لتشكيل خطابيّ دون قدرة التحكم في استعماله فيما بعد، أي شكَّل قطيعة، مثل: كارل ماركس، وفرويد. ويكمن في تصنيف فوكو السابق «طيّع، خطابي» تصنيفان آخران يضعهما وائل حلّاق، وهما «المؤلّف المعارض» و»المؤلّف الهدّام»؛ فالمؤلّف المعارض «يرفض الافتراضات والنتائج والآراء الموروثة التي تميّز المؤلّف الطيّع»، منتقداً المؤلفين الطيعين، دون أن يتجاوز بنقده إلى مساءلة المنظومة المعرفية في تشكيله الخطابيّ. أي «المؤلّف المعارض» ناقد ل»المؤلّف الطيّع» نقداً تفصيلياً لسرديّته، دون النهوض نحو الأسس البنيوية الفكرية لها. وهذا النمط هو النمط العام لنقد الاستشراق، وخصوصاً عند إدوارد سعيد فهو «مؤلّف معارض»، بل قد يكون أشد خطورة حينما يفصل بين «الاستشراق» والتشكيل الخطابي الذي خرج منه، مقدّما لهذه البنية الفكرية تغطية إيديولوجية دون وعي، فهو جزء أساسي من التشكل الخطابيّ. و»المؤلّف الهدّام» هو الأكثر تجاوزاً، لأنه «يسائل الافتراضات الأساسية والدعائم المعرفية للتشكل الخطابي، فضلاً عن نظام القوة الذي يدعمه»، ومنهم «كارل ماركس» عامة، وفي حقل الاستشراق «رينيه غينون» (عبدالواحد يحيى). فالهدّام مؤلّف لديه زخم خطابيّ، يصل لمرحلة تخرجه من خطاب النطاق المركزي، مشكلاً خطابه الخاص، وإن لم يرتق بعد لمناهضة المنظومة المعرفية المهيمنة، ويبقى على أتباعه تبني خطابه «لتغيير أسس النظام وخلق نظام جديد مختلف بالكامل». وتمثيل «غينون» لهذا المؤلّف الهدّام في الحقل الاستشراقي يواجه مشكلة قلّة الأتباع، لكن يمكن حلّها ب «نظائر» فوكو الخطابية؛ أي وجود مؤلّف «مناظر» له، يجدد أفكاره، مولّداً «غينون الجديد». وبناءً عليه، فاستعمال «إدوارد سعيد» نظرية «موت المؤلّف» لا يعني فهمه لها كما ينبغي. وبالعودة إلى أصالة طرح «فوكو» لنتثبت من فهم وائل حلاق ل»نظرية موت المؤلّف»، فالمعنى ليس موت المؤلف كما عند بارت، وإنما الموت لأنه صار وظيفة داخل الخطاب، مسلوب المعنى، وقيمته في علامته التي يقدّمها داخل تشكيلات الخطاب، تنظيماً للمعنى المعطى له، ليمنع خاصيّة «التأويل»، ويظهر النصّ مقيداً بالسياق لا متحرراً منه، فالمؤلّف مجرّد علامة من علامات الخطاب وفق ثنائية «السلطة والمعرفة». وهذا مردّه إلى تحقيبات فوكو للعصور الثلاثة: النهضة، الكلاسيكي، الحديث. والخطاب ينتمي إلى الكلاسيكي بإبستمية «التمثيل» وفق مجال الخطاب، المتجلّي في النحو العام وفروعه، ودور الخطاب في المجال الفلسفي والمعرفي يسمّي كينونة كل تمثيل، وفي العلم يسند لكل شيء مُمَثَّل الاسم الملائم. في حين ينتمي التأويل لعصر النهضة، وهو العصر الذي كانت اللغة فيه تجربة ثقافية وإنسانيّة، ولا خطاب فيه، إنما اللغة. فأساس هذا التحقيب عند فوكو هو «العلاقة باللغة»، وفي العصر الذي سمّاه فوكو «الحديث» عادت اللغة مرتبطة بالذات، تعبيراً عن الإرادة، وروح الشعب، وحرية الإنسان لا مجرّد معرفة الأشياء، فاستعاد الكلام كثافته وإلغازه، متخلصاً من الحقبة الكلاسيكية التي نشدت الوضوح التام. فهل أخذ حلاق بتحقيبات فوكو عند وصف المؤلف أم فقط أبقى التصنيف؟ وقد درس فوكو موضوع التأويل عند ماركس، وفرويد؛ وهم من يستثنيهم وائل حلّاق أيضاً من التشكيل الخطابي الحداثيّ! وهذا التفصيل قد تقدّم في مقال «اللغة والمعرفة في العصر الحديث».