الدول العربية في منطقة الخليج العربي تطالب الولاياتالمتحدة والجمهورية الإيرانية بتغليب الحكمة والعقلانية والحوار لحل جميع المسائل المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني وغيره من مسائل بما يتوافق مع القانون الدولي، ويساهم في حفظ الأمن والسلم والاستقرار الإقليمي والدولي.. يُؤشر فبراير 1979م لتحول جذري في العلاقات الإيرانية - الأمريكية من حالة الصداقة القوية والشراكة المُتقدمة إلى حالة من العداء المُتصاعد والقطيعة الكاملة بين البلدين. نعم، فبعد نجاح ثورة الشعب الإيراني على نظام الشاه محمد رضا بهلوي، وبعد تمكن الخُميني من إقامة نظام سياسي جديد على أسس متناقضة ومتضادة تماماً عن نظام الشاه، ابتدأت مرحلة جديدة من العلاقات الإيرانيةالأمريكية تقوم في أساسها على إيديولوجيات مُتضادة في منطلقاتها وقيمها ومبادئها مما جعل من العداء المُعلن بين البلدين أمراً متوقعاً ومتماشياً مع طبيعة النظام السياسي الجديد في إيران. وعلى امتداد ال 47 عاماً من العداء المُعلن بين الجمهورية الإسلامية الإيرانيةوالولاياتالمتحدةالأمريكية، تفاعلت الدولتان مع بعضهما البعض بطرق مختلفة ومتعددة ومتنوعة. وهذه التفاعلات بمختلف مستوياتها ومجالاتها وصلت في مراحل تاريخية معينة لمستويات عالية جداً من التصعيد، ومن ذلك عملية الهجوم الأمريكية لتدمير موانئ وسفن إيرانية في أبريل 1988م رداً على الاستهداف الإيراني لسفن حربية أمريكية والتي عرفت بحرب الناقلات. وفي مراحل تاريخية أخرى، وصلت التفاعلات الإيرانيةالأمريكية لمستويات عالية جداً من التهدئة والتصالح، ومن ذلك التوصل للاتفاق النووي بين إيران ومجموعة 5 + 1 في أبريل 2015م، والذي كفِلَ لإيران تسوية شاملة تضمن الطابع السلمي للبرنامج النووي الإيراني، بالإضافة لإلغاء جميع العقوبات الدولية على إيران بشكل تام، مما ضمن لها الحصول على عشرات المليارات من أموالها المُجمدة في الولاياتالمتحدة. إلا أن هذه الحالة من التهدئة والتصالح تحولت سريعاً لحالة من التشكيك وعدم الثقة بين الطرفين دفعت الولاياتالمتحدة للانسحاب من الاتفاق النووي في مايو 2018م، مما دفع إيران بعد ذلك إلى الإعلان عن زيادة قدرتها على تخصيب اليورانيوم لمستويات أعلى بكثير مما تضمَّنه الاتفاق النووي الذي انسحبت منه الولاياتالمتحدة. ونتيجة لتصاعد حالة التشكيك التي وصلت لمستويات متقدمة من العداء بين الدولتين، أقدمت الولاياتالمتحدة على القيام بسلسلة من الضربات الجوية مستهدفةً عدداً من المنشآت النووية الإيرانية في يونيو 2025م. وبعد ستة أشهر من استهداف المنشآت النووية الإيرانية، أعلنت الولاياتالمتحدة، في يناير 2026م، عن إرسالها أسطولاً عسكرياً كبيراً تجاه إيران، ومهددةً بأنها سوف تستهدف إيران عسكرياً إذا لم تجلس على طاولة المفاوضات وتتوصل لاتفاق عادل ومنصف بشأن برنامجها النووي وغيره من مسائل تراها الولاياتالمتحدة ضرورية لاستتباب الأمن والسلم والاستقرار الإقليمي والدولي. فإذا نظرنا لهذا التاريخ المُمتد ل 47 عاماً من التهدئة والتصعيد بين الجمهورية الإسلامية الإيرانيةوالولاياتالمتحدةالأمريكية، فإننا ندرك بأن حالة التهدئة والتصالح بين الدولتين أقرب منها إلى حالة التصعيد والحرب، وذلك انطلاقاً من المعايير الآتية: 1) أن الولاياتالمتحدة تدرك مدى أهمية المنطقة في مجال الطاقة وأهميته لنمو الاقتصاد العالمي، والحرب مع إيران قد تتسبب بسلبيات كبيرة جداً على الاقتصاد العالمي ومستوى نموه. 2) أن الولاياتالمتحدة تدرك بأن إيران دولة كبيرة المساحة الجغرافية، وهذا يُصعب عملية إسقاط نظامها السياسي إلا بحرب شاملة. 3) أن الولاياتالمتحدة تدرك بأن استهداف النظام السياسي الإيراني قد يؤدي لاستبداله بنظام سياسي يقوده الحرس الثوري الذي سيكون أكثر تطرفاً من نظام الخُميني. 4) أن الولاياتالمتحدة تدرك بأن حرباً مُباشرة مع إيران قد تتوسع لتشمل دولاً أخرى في المنطقة، مما يتسبب بأضرار كبيرة جداً على النظام الإقليمي. 5) ترى الولاياتالمتحدة أن استنزاف القدرات الإيرانية بالعقوبات على المدى البعيد قد يؤدي لإضعافه داخلياً ويتسبب باستبداله بنظام سياسي أكثر اعتدالاً. 6) أن الولاياتالمتحدة ليست مستعدة لتحمل تكاليف حرب مباشرة مع إيران قد تطول مدتها لسنوات مقبلة. 7) أن الولاياتالمتحدة تدرك بأن استهداف النظام الإيراني بضربات عسكرية سريعة قد يؤدي لتقويته شعبياً وزيادة تماسك أجنحته السياسية. 8) أن السياسات الأمريكية الحالية تتبنى الحلول السلمية لحل المسائل المتعلقة مع إيران، حتى وإن صعَّدت لغتها الدبلوماسية واستبدلتها بلغة الحرب. 9) أن إيران قادرة على تقديم تنازلات نسبية تُجنبها المواجهة المباشرة مع الولاياتالمتحدة. 10) أن إيران قادرة على استنزاف الوقت بالتفاوض عبر مراحل حتى تتراجع درجة تصعيد السياسات الأمريكية الحالية تجاهها. 11) أن دول المنطقة تعارض سياسات التصعيد الأمريكية بالحرب على إيران. 12) أن دول المنطقة تنادي بالحوار والمفاوضات والدبلوماسية كسبيل وحيد لحل المسائل المتعلقة بالبرنامج النووي وغيرها من مسائل مع الجانب الإيراني. وفي الختام، من الأهمية القول: إن الدول العربية في منطقة الخليج العربي تطالب الولاياتالمتحدةالأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية بتغليب الحكمة والعقلانية والحوار لحل جميع المسائل المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني وغيره من مسائل بما يتوافق مع القانون الدولي، ويساهم في حفظ الأمن والسلم والاستقرار الإقليمي والدولي. وإن جميع شعوب دول المنطقة تتطلع للتنمية والبناء والتقدم والتطور والازدهار الذي يمكنها من تحقيق الرفاه والعيش الكريم، وتتطلع لأن ترى دولها في مصاف دول العالم المتقدم والصناعي انطلاقاً من الإمكانات والقدرات والثروات العظيمة التي تحتويها باطن وظاهر أراضيهم، والتي لن تتحقق إلا بتغليب الحكمة والعقلانية والقرار الرشيد.