رحل معالي الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السويلم -رحمه الله-، وبقيت صورته في ذاكرتي ليست صورة "مسؤول" يمر في الممرات محاطًا بالملفات، بل صورة رجل يمر معه المعنى: معنى الجدّ الذي لا يفسد الودّ، ومعنى الحزم الذي لا يقتل الروح. عرفت أبا سعد في مواقع العمل الإنساني والصحي كما يعرف الناس القمم: لا تصلها إلا بعد جهد. كان يحمل على كتفيه ضغوطا ثقيلة، وتقاطعات مع جهات متعددة، وتوقعاتٍ عالية، ووقتا لا يتسع لكل ما يُطلب. ومع ذلك -وهذه خصلة نادرة- لم يكن يسمح للضغط أن يسكب قسوته على من يعملون معه. كان يعرف كيف يفصل بين "صلابة القرار" و"رحمة التعامل"، وكيف يجعل الفريق يشعر أن العمل كبير... لكن البشر أكبر. أشهد أنه كان صاحب معايير لا تُهادن. إذا دخل ملفًا خرج كما ينبغي، وإذا بدأ مشروعًا أراده أن يكتمل لا أن "يُقال إنه اكتمل". وفي الوقت نفسه لم يكن يطارد الناس ليصطاد أخطاءهم، بل ليصنع معهم نتيجة تليق باسم الوطن. كان يرى الإتقان عبادة، ويستحضر دائما أن ما يُنجز في ميادين الإغاثة والخدمة العامة ليس أرقامًا في تقرير، بل حقوقٌ لمحتاجين، وصورةٌ لبلادٍ تعطي لتُرضي ربها قبل أن تُرضي الناس. ومع شدة التزامه، كان يمتلك شيئا يدهشك: حس فكاهةٍ ذكيًّا، يأتي في وقته تماما، كأنه "صمام أمان" يخفف على الفريق حين تتزاحم المهام وتشتد الأعصاب. أذكر أنه في لحظاتٍ بعينها -حين يكون الجو مشحونًا والوجوه متعبة- كان يرمي عبارة خفيفة، أو تعليقًا لطيفًا لا يجرح أحدًا، فتتبدّل الطاقة في الغرفة: يبتسم الناس، وتستقيم الأنفاس، ثم يعود الجميع للعمل وكأن أحدا أعاد ترتيب الهواء. لم تكن الفكاهة عنده استعراضًا، بل رحمة عملية؛ يعرف أن الفريق إذا انكسر من الداخل فلن ينجز من الخارج. ولعل أكثر ما رسخ في نفسي من مواقفي معه، موقفٌ لا يُنسى: كنت في بداياتي الإعلامية، ووقعت في خطأ مهني بسبب "صفر ناقص" في خبرٍ يتعلق بمبلغٍ بملايين الريالات. لحظة ثقيلة؛ حرجٌ مضاعف، وخوفٌ من تبعاتٍ قد لا تُحتمل على مبتدئ. توقعت عتابا قاسيا، فإذا به يختار طريقًا آخر. طمأنني أولًا، ثم علّمني بهدوء كيف يتم التصحيح الإعلامي بصورة تحفظ الحقيقة وتحفظ الثقة، وتواصل بنفسه مع المسؤول المعني لاحتواء الأثر قبل أن يتسع. لم يزدني ارتباكًا، بل أعادني إلى رشدي. عندها فهمت معنى أن يكون القائد "غطاءً" لفريقه لا "عبئًا" عليهم. ومن الصفات التي لمستها في معالي د. عبدالرحمن السويلم أيضا: أنه يُصلح بالتلميح أكثر مما يُصلح بالتصريح. يمرر الملاحظة في ثوب لطف، ويدلك على الخطأ دون أن يعلق صاحبه على جدار الإحراج. كان يُشعرك أنك تتعلم لا تُدان، وأن الهدف هو جودة العمل لا كسر الأشخاص. وأذكر كذلك اتصاله بي يومًا يرغب بتعاوني في إنشاء مركز إعلامي لكوسوفا؛ للتعريف بالعمل الإغاثي الجبار الذي قدمته المملكة لشعبها المظلوم آنذاك. ذلك الطلب في ظاهره "مشروع إعلامي"، لكنه في عمقه يكشف رؤيته: كان يؤمن أن الإغاثة لا تُقدَّم فقط... بل تُروى بوعي، وتُوثَّق بأمانة، لأن الكلمة حين تكون دقيقة تحفظ الجميل، وتمنع الالتباس، وتضع العمل في سياقه الصحيح. وكان من أوائل التسعينات -فيما أذكر- كانت محاولته لبناء استراتيجية تؤصل العمل الإغاثي السعودي وتجمع مساراته المتعددة، عبر جلسات تضم الخبراء والجهات ذات العلاقة. كان يرى أن الخير إذا لم يُبنَ على قواعد واضحة سيتعب الناس وتتكرر الأخطاء، أما إذا تأسس على منهجٍ ومعايير صار قابلاً للاستمرار، والتوسع، وتحقيق الأثر. هذه شهادتي فيه: رجلٌ ثقيلٌ بإنجازه، خفيفٌ بروحه، شديدٌ على التقصير، لطيفٌ بالناس. جمع بين العقل الذي ينظم، والقلب الذي يرفق، واللسان الذي يبتسم في الوقت الذي يحتاج فيه الآخرون لابتسامة. رحم الله الدكتور عبدالرحمن السويلم رحمة واسعة، وجعل ما قدمه للوطن والإنسانية في ميزان حسناته، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وجزاه عن كل من أحسن إليهم خير الجزاء.