حين ننظر إلى "وجهة مسار" من زاوية أوسع، نكتشف أن قيمته الحقيقية تكمن في قدرته على إنتاج أثر طويل المدى، يحترم روح مكة ومكانتها، ويخدم ضيوف الرحمن وسكانها، ويُقدّم نموذجًا حضريًا يمكن البناء عليه في مدن أخرى ذات خصوصية ثقافية ودينية.. في الكتابة عن المدن وصناعتها المُستدامة، لم يصبح السؤال الرئيس المطروح محصورًا اليوم بعدد الأبراج، أو بحجم الاستثمارات وحدها، بقدر ما يرتبط بسؤال أكثر أهمية وعُمقًا، وهو: كيف تعمل المدينة؟ وكيف تخدم الإنسان؟ وكيف تُدار علاقتها مع الزمن؟ ومن هذا المنطلق، تأتي الكتابة عن "وجهة مسار" في أقدس بقاع الأرض، كحالة حضرية تتجاوز منطق "المشروع" إلى منطق "المنظومة"، وتعيد تعريف التطوير العمراني في مدينة استثنائية مثل مكةالمكرمة. قبل أعوام، كان الحديث عن "صناعة الوجهات" يُنظر إليه كترف نظري، أما اليوم، فنحن أمام مرحلة أكثر نضجًا، حيث أضحت المدن منظومات حضرية متصلة، تعمل وتتعلّم وتُنتج قيمة مستدامة عبر الزمن، وهذا التحول لا يُقرأ ضمن دائرة الخطاب الفكري فحسب، بل كممارسة واقعية تجسدت بوضوح في نموذج "وجهة مسار". اللافت في تجربة "مسار" قُدِّمت كإطار تشغيلي حضري يخدم ملايين البشر، وليس منتجًا عقاريًا تقليديًا، لذلك، يُدار وفق منطق طويل الأثر، وقد تعزز هذا النهج باعترافات دولية مستقلة، أبرزها حصول الوجهة على شهادة الاستدامة الذهبية في فئة المجتمعات، إضافة إلى تحقيق نتيجة 85 % في مؤشر الاستدامة العقارية العالمي، وهذه المؤشرات لا تُمنح للمباني الجميلة -كما يتصور للبعض فقط- بل للمدن التي تُدار بحوكمة واعية، وتوازن بين الإنسان والبيئة والاقتصاد. وهنا تبرز قيمة ما طرحه الأخ العزيز ياسر عبدالعزيز أبو عتيق، الرئيس التنفيذي ل شركة أمّ القرى للتنمية والإعمار، في مقاله المنشور بإحدى المنصات الإخبارية الاقتصادية، حين أكد أن "وجهة مسار" ليس مشروعًا يُنجز ثم يُغلق ملفه، بل مسؤولية تُحتضن وإسهام يُفخر به في مدينة لا تشبه غيرها، ويعكس هذا المنظور فهمًا عميقًا لطبيعة مكةالمكرمة، وفيها لا يمكن فصل العمران عن الروح، ولا الاقتصاد عن الخدمة، ولا الاستثمار عن الأثر. في النماذج التقليدية للتطوير العقاري، كانت المعادلة بسيطة ومباشرة وهي (اشترِ أرضًا، ابنِ عليها، ثم بِع)، لكن السؤال: هل باتت هذه المعادلة فاعلة في عصرنا الحاضر؟ الإجابة بالتأكيد "لا وألف لا"، لأنها أثبتت محدوديتها في المدن الحية، خاصة تلك التي يعيش فيها الإنسان يوميًا، فالمدينة، في جوهرها، كيان يعمل ويتفاعل ويُنتج قيمة من خلال الاستخدام والحركة والتجربة. من هنا، يكتسب مفهوم "اقتصاد الحركة البشرية" أهمية مركزية. فخطوات المشاة، وتوقفاتهم، وأنماط استخدامهم للمكان، أصبحت محركات رئيسة للقيمة؛ لأن المدينة التي تُصمَّم لتسهيل حركة الإنسان، وتوفير بيئة مشي آمنة ومريحة، تتحول فيها الحركة اليومية إلى بيانات حيّة، تُقرأ وتُحلَّل، وتُستخدم لتحسين التجربة ورفع كفاءة التشغيل وتقليل الأثر البيئي. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى "وجهة مسار"، كمحور ربط حضري يخدم ملايين القادمين إلى العاصمة المقدسة من كل فج عميق، يربط فيه لضيافة بالخدمات، والتجربة الدينية بالحياة الحضرية، ويعيد تنظيم العلاقة بين الإنسان والمكان، ويُسهم في جعل الوصول إلى الحرم أكثر سلاسة، ويحوّل المشي من عبء لوجستي إلى تجربة إنسانية مدروسة. الأهم من ذلك أن هذا المحور يُدار بمنطق المدينة الذكية المسؤولة، حيث لا يُترك التشغيل للحدس، بل يُبنى على البيانات والحوكمة والاستجابة الذكية للسلوكيات، وهذا النهج يرفع الكفاءة الاقتصادية، ويُحدث توازنا دقيقا بين النمو والعائد الاجتماعي، وبين الخدمة والاستدامة. حين ننظر إلى "وجهة مسار" من زاوية أوسع، نكتشف أن قيمته الحقيقية، تكمن في قدرته على إنتاج أثر طويل المدى، يحترم روح مكة ومكانتها، ويخدم ضيوف الرحمن وسكانها، ويُقدّم نموذجًا حضريًا يمكن البناء عليه في مدن أخرى ذات خصوصية ثقافية ودينية. هذا التحول في منطق التطوير من "منتج عقاري" إلى "منظومة حضرية حيّة" ينسجم بوضوح مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي تنظر إلى المدن كرافعات لجودة الحياة، والاستدامة، والتنمية المتوازنة، وفي هذا الإطار، يمكن قراءة مسار كنموذج تطبيقي يعكس هذا التحول، وفق ممارسة تشغيلية قائمة على معايير عالمية. في النهاية، فإن الكتابة عن "وجهة مسار"، قراءة في تحول أعمق في طريقة التفكير بالمدينة نفسها، أكثر من نظرة قصيرة محصورة في "الاحتفاء بمشروع عمراني"، لماذا؟ لأنه يضع الإنسان في قلب الوجهة، وتُستخدم البيانات لخدمته، وتُحترم الاستدامة البيئية، وهنا، تتجاوز مسار درسًا حضريًا في كيف يمكن للمكان أن يعمل لصالح الإنسان، لا العكس، وكيف يمكن للتطوير أن يكون مسؤولية قبل أن يكون استثمارا.. دمتم بخير.