أقول: إن مفتاح باب الراحة إتقان فنّ الاقتصاد في القول، والإيجاز في المنقول، وحين يتدرّب الإنسان على الإيجاز تتسع أمامه مسارات الحياة بأمان، فيصبح للكلمة وزنٌ يُسمَع وللفكرة أثرٌ يمتد، ومع كثرة المراس يتحول الإيجاز إلى ملكة داخلية، وقدرة بدهية تُهذّب الخطاب وتمنح القول مسارًا ناضجًا يشي بسلام داخلي ونعيم خارجي وتماسك في الرؤية، وكلما صار هذا الفن عنوانًا في الكتابة والحديث، اتسع نطاق النفع وتضاعفت القيمة التي يخلّفها النص في الذاكرة، ويتضح أن الوصول إلى هذا الفن يحتاج رؤية شمولية تحيط بالزمان والمكان والوسيلة والغاية، وتقرأ طبيعة القارئ أو المستمع، وتستوعب طبيعة الأداة التي سيُصاغ عبرها الخطاب، فالكلمة المختصرة تحتاج بصيرة واسعة، والعبارة الموجزة تحتاج فهمًا يشمل الأطراف كلها قبل أن تُختصر في قلب الفكرة. البلاغة فنّ الإيجاز، والإيجاز طاقة تعيد الفكرة إلى مركزها، وتمنحها عمقًا يتردد في وعي المتلقي. وهو أيضًا سلطة يمارسها العقل حين يستجمع أدواته، فيحكِم الفكرة، ويُعيد تشكيلها في قالب مشحون بالحضور، وحين يمتلك الكاتب زمام هذه السلطة، يقدّم نصًا يفيض وضوحًا وذكاءً ويطوي المسافة بين المعنى وروح المتلقي، ورغم جماله -أي الإيجاز- إلا أنه لا ينطبق في حال العاشق والمتولّه، فالتجربة الوجدانية تحمل طريقتها الخاصة في الانسياب، وتتحرك ضمن إيقاع مختلف، لأن المشاعر، بطبيعتها، تميل إلى التفصيل، وتستعذب الطريق الطويل نحو المعنى، فالإطناب هنا يُنقذ الموقف، ويمنح النفس مساحة تُفصِح فيها عن شجنها ولهفتها، وتفتح أبوابًا واسعة يستقبل عبرها المتلقي المعنى بكامل طاقته، ولكل كلمة في هذه المساحة أثرها، فالمعنى متلازم المبنى بطبيعة الحال. لكل قاعدة شواذ ولكل سياق عام تفصيلات تخرج منه من كان فيه بطبعيّة مدركة وإدراك متبع، ولعل أول من خرج من هذا السياق هي المشاعر كما أسلفنا، وكل ما يقبع خلف جدار القلب وبوابة الروح، إذ يتنفس عبر الامتداد ويتشكّل من التفاصيل، فالكلمة حين تخرج من الروح تسلك مسارًا فريدًا، وتحمل لغتها الخاصة مهما تغيّرت الأصوات وتعددت السياقات. وتكشف الفلسفة في هذا الباب أنّ لكل حرف طاقته، ولكل عبارة بوابتها الوجودية التي تعبُر منها إلى الأعماق. ختامًا.. يبقى الإيجاز دربًا من دروب الحكمة، وتظل البلاغة مصالحة بين المعنى ومقتضى الحال، والنص المتقن سيظل شاهدًا على قدرة اللغة حين تتقاطع فيها الحكمة مع الدهشة، وأخيراً سيبقى الشعور في سياق الإيجاز ضحيّة يجب استنقاذه. رياض عبدالله الحريري