ظهر مفهوم (صناعة الثقافة) في سياق نقدي حاد داخل النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت في النصف الأول من القرن العشرين. يعود الجدل حول مفهوم صناعة الثقافة إلى أطروحات الناقد الألماني ثيودور أدورنو بالاشتراك مع زميله المفكر ماكس هوركهايمر في كتابهما الشهير (جدل التنوير). استخدم أدورنو مصطلح صناعة الثقافة ليصف تحول الإنتاج الثقافي في المجتمعات الرأسمالية الحديثة إلى صناعة نمطية، تقوم على التكرار، والقولبة، والتسليع. في هذا التصور، لم تعد الثقافة مجالاً للتعبير الحر أو النقد الاجتماعي، بل أصبحت أداة لإعادة إنتاج الوعي الزائف، والخضوع، وتقليص قدرة الجمهور على النقد. فالسينما، والإذاعة، والموسيقى الجماهيرية، في نظر أدورنو، تعمل وفق منطق واحد، هو زيادة الربح وضمان إستمرار الاستهلاك، وليس الهدف تنمية الذائقة أو تحرير الوعي. الجمهور هنا ليس فاعلاً بل متلقياً سلبياً، يتم دمجه في النظام الاجتماعي عبر الترفيه. هذا التصور المتشائم تعرض لاحقاً لانتقادات واسعة من الدراسات الثقافية وعلم الاجتماع. على سبيل المثال، ناقش النقاد في مجال الدراسات الثقافية، مثل ريموند وليامز وستيوارت هول مفهوم صناعة الثقافة ورأوا أن أدورنو بالغ في تصوير سلبية الجمهور، حيث افترض وجود علاقة خطية بين النص الثقافي والتلقي. وقالوا إن الثقافة ليست مجرد سلعة، بل مجال صراع دلالي، والجمهور يمتلك قدرة على التفسير، وإعادة تشكيل المعنى، والمقاومة الرمزية. وفي نفس السياق، جاءت لاحقاً دراسات التلقي، مثل أعمال الباحث البريطاني ديفيد مورلي والباحثة الأسترالية إين أنغ، لتؤكد أن الجمهور يقرأ المنتجات الثقافية والمحتويات الإعلامية، مثل البرامج الإخبارية والمسلسلات الدرامية، بطرق متعددة، متأثرة بالسياق الاجتماعي والطبقي والثقافي. من جانب آخر، قدم عالم الاجتماع الفرنسي الشهير بيير بوردو تصوراً مختلفاً لمفهوم صناعة الثقافة مقارنة بما طرحه أدورنو . فبينما نظر أدورنو إلى صناعة الثقافة بوصفها نظاماً صناعياً موحداً يخضع بالكامل لمنطق الرأسمالية، ويقوم على التجانس، والتكرار، وإخضاع الوعي، ركز بورديو على تحليل الثقافة ضمن ما اسماه الحقول الثقافية. في منظور بورديو، لا توجد صناعة ثقافية واحدة متجانسة، بل فضاءات متعددة للإنتاج الثقافي، تتصارع داخلها قوى مختلفة. وبخلاف أدورنو الذي افترض هيمنة شبه كاملة للسوق على الثقافة والجمهور، رأى بورديو ان الإنتاج الثقافي تحكمه توترات دائمة بين منطق السوق ومنطق الاستقلال الرمزي، خصوصاً في مجالات الفن، والأدب، والفكر. فالثقافة عند بورديو ليست مجرد سلعة تُفرض على جمهور سلبي، بل ممارسة اجتماعية تتشكل عبر علاقات قوة، وذائقة مكتسبة، ومواقع اجتماعية، مما يجعل صناعة الثقافة عملية غير مغلقة، وغير اختزالية، وأكثر تعقيداً مما رآه مفكرو النظرية النقدية. وبناء على ذلك، وفي أواخر القرن العشرين، حدث تحول جذري في استخدام المصطلح داخل السياسات العامة للدول. على سبيل المثال، في بريطانيا، بدأ استخدام مصطلح الصناعات الثقافية وكذلك مصطلح (الصناعات الإبداعية) للدلالة على قطاعات إقتصادية واعدة، تشمل الأدب، والمسرح، والإعلام، والتصميم، والإعلان، والموسيقى، والسينما، والألعاب الرقمية. ومن خلال دراسات وتقارير وزارة الثقافة والاعلام والرياضة البريطانية تحول تعريف الثقافة من المفهوم النظري إلى مفهوم عملي يرى أن الثقافة والإبداع هي مورد إقتصادي ومجال للإبتكار وفرص العمل. وفي ضوء ذلك، تبنت منظمات دولية مثل اليونسكو هذا التصور، مع التركيز على التنمية الثقافية المستدامة، وحماية التنوع الثقافي. وبذلك، أصبح مفهوم صناعة الثقافة مرتبطاً بالتنمية، والاقتصاد الإبداعي، والهوية الوطنية، والقوة الناعمة. حالياً، لم تعد صناعة الثقافة مفهوماً واحداً ثابتاً، بل مسار نظري وتاريخي متحرك. بدأ كنقد فلسفي للرأسمالية الثقافية، ثم تحول الى أداة تخطيط وسياسات تنموية.