في قراءة نفسية لمفهوم البيت غير الآمن نفسيًا، أوضح المستشار الأسري الاجتماعي سليمان محمد النمر أن غياب العنف أو الإساءة المباشرة لا يعني بالضرورة توفر الأمان داخل الأسرة، مؤكدًا أن المعيار الحقيقي يكمن في المناخ النفسي اليومي الذي يعيشه أفرادها. وبيّن أن هذا النوع من البيوت يُستدل عليه من شعور دائم بالتوتر أو القلق، وغياب الراحة والطمأنينة حتى في الأوقات الهادئة، إلى جانب الخوف من التعبير عن المشاعر أو الآراء خشية التقليل أو الرفض، وشعور بعض الأفراد بأنهم مراقَبون نفسيًا أو محكوم عليهم بأحكام مسبقة. وقال: على مستوى التواصل، تسود حالة من الصمت السلبي أو البرود العاطفي بدل الحوار، مع التقليل من المشاعر أو السخرية منها، وغياب الإصغاء الحقيقي، وكثرة اللوم والانتقاد على حساب الفهم والتوضيح، كما تتسم العلاقات بانعدام الأمان في الخطأ، حيث يُقابل بالتوبيخ لا بالتوجيه، وتصبح المشاعر مشروطة بالطاعة أو الإنجاز، مع غياب الدعم العاطفي في لحظات الحزن أو الفشل. وحذّر النمر من آثار نفسية بعيدة المدى لهذا المناخ، تشمل انخفاض الثقة بالنفس، والانسحاب العاطفي أو العزلة، وتقلبات مزاجية أو كبتًا طويلًا للمشاعر، وقد يصل الأمر إلى البحث عن الأمان خارج إطار الأسرة. وفيما يتعلق بالأطفال، أكد على أن شعورهم بعدم الأمان قد يحدث رغم وجود الوالدين جسديًا، إذ إن الأمان لا يقوم على الحضور الشكلي بقدر ما يعتمد على جودة الحضور العاطفي، فالانشغال الدائم، وعدم الاتساق التربوي، وتقلب ردود الأفعال، وغياب القواعد الواضحة، إضافةً إلى أجواء التوتر أو الصمت المشحون، كلها عوامل تخلق شعورًا دائمًا بعدم التوقع والاطمئنان. وأشار إلى أن الطفل في هذه البيئة قد يبدو هادئًا أو مطيعًا، لكنه داخليًا يعيش قلقًا وخوفًا من الخطأ، مع ضعف في الثقة بالنفس وتكوّن نمط تعلق غير آمن. وفي سياق الخلافات الزوجية، رأى النمر أن الخلافات الصامتة قد تكون أكثر خطرًا من الشجار العلني المنضبط، لما تسببه من غموض يرفع مستوى القلق لدى الطفل، ويحمله أحيانًا مسؤولية غير واعية عن التوتر القائم، كما أن هذا الصمت يحرم الطفل من رؤية نموذج صحي لإدارة الخلاف، ويخلق فراغًا عاطفيًا طويل الأمد داخل الأسرة. واختتم بالتأكيد على أن الشجار العلني يكون أقل ضررًا حين يخلو من الإهانة أو التهديد، ويُتبع بتصالح أو توضيح يطمئن الطفل، مشددًا على أن الأمان النفسي يبدأ من وضوح المشاعر، واحترامها، وإدارة الخلاف بوعي ومسؤولية.