ما يتعرض له الإنسان ليس ظلمًا مفروضًا من الخارج، بل نتيجة خيارات داخلية.. «وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون»، فالطريق إلى الحياة الحقيقية يبدأ حين يقرر الإنسان الاتجاه إلى الله تعالى فيوقظ وعيه، ويستعيد مسؤوليته، ويعيد ترتيب أولوياته، ويختار أن يكون حيًّا بالمعنى والقيمة والغاية، لا مجرد كائن يمشي بين الأحياء.. ليس الموت دائمًا توقف الجسد عن الحركة، فثمة موتٌ آخر أكثر قسوةً وامتدادًا؛ موتٌ يسكن الوعي، ويصيب الإرادة، ويُطفئ جذوة المعنى في الإنسان وهو ما يزال يتنفس. هؤلاء هم «الميتون على قيد الحياة»؛ أناس تتحرك أجسادهم في كل الأماكن، لكن بصيرتهم غائبة، وقلوبهم مُعطَّلة، وعقولهم مُستَلبة. أول ما يلفت في هذه الحالة هو غياب الوازع الديني لا بوصفه طقوسًا، بل كقيمة ضابطة للسلوك، فحين ينفصل الدين عن الضمير، يتحول إلى عادة شكلية أو عبء مؤجل، وتفقد الأخلاق مرجعيتها.. عندها يسهل التبرير، ويُستساغ الظلم، وتُسوَّغ الأنانية، لأن الداخل الخالي لا يُنتج إلا فراغًا أخلاقيًا. ويظهر هذا الخلل جليًا في العلاقة مع غاية العبادة؛ فالتساهل في أداء الصلوات، وإهمال القرآن، وترك فعل الطاعات، وتجنب المنكرات وأعمال الخير ليس ذاك مجرد تقصير زمني، بل مؤشر على خلل في الأولويات حين تُزاح العبادة من مركز الحياة، يُزاح معها الاتزان الداخلي، ويختل الميزان النفسي والروحي، فيتيه الإنسان وهو يظن أنه مدرك أين يتجه. ومن هذا الفراغ تتكاثر صفات البخل والجبن والانتهازية. البخل هنا ليس شحّ المال فقط، بل شحّ الموقف، وبخل النصيحة، وبخل التضحية. والجبن ليس خوفًا جسديًا، بل عجز عن المواجهة، وهروب من المسؤولية، وتفضيل السلامة الزائفة على الحق. أما الانتهازية فهي ذروة هذا الانحراف؛ حيث لا قيمة لمبدأ، ولا ثبات لموقف، وإنما مصلحة آنية تُبدَّل بتبدّل الرياح. ويتغذى هذا كله على الكسل والخمول، فالكسل ليس مجرد فتور بدني، بل تعطيل للعقل، وتأجيل للحياة، ورفض غير معلن للإنجاز، ومع الخمول تتلاشى الأهداف، ويبهت المعنى، ويصبح اليوم نسخة باهتة من الأمس، بلا شغف ولا اتجاه. وحين يغيب الهدف، يبحث الإنسان عن بدائل وهمية، فيتعلق بتوافه الأمور، ويتابع التافهين، ويستمد منهم شعورًا زائفًا بالانتماء أو القيمة. وفي ظل ضعف الهمة والعزيمة، يسهل الانزلاق إلى إشباع الشهوات بوصفها التعويض الأسرع. شهوة ثراء، شهوة شهرة، شهوة كسب، شهوة استهلاك وغيرها.. كلها مسكنات مؤقتة لفراغ داخلي عميق. لكنها لا تبني إنسانًا، ولا تصنع كرامة، بل تُعمّق التشتت، وتزيد الضياع، وتؤجل المواجهة مع الذات. ومن أخطر مظاهر هذا الموت المؤجل، عدم تحمّل المسؤولية. فالإنسان الميت وعيًا دائم التذرّع: يلوم الظروف، ويتهم الآخرين، ويتهرب من المحاسبة لا يرى نفسه سببًا في ما هو فيه، ولا يعترف بدوره في تأخره، مع أن النهوض يبدأ دائمًا من الاعتراف. حتى الحب في هذه الحالة يصبح وهميًا؛ تعلقًا هشًا، أو حاجة أنانية، أو ملاذًا مؤقتًا من الوحدة، لا علاقة ناضجة تُنضج الإنسان وتسمو به. ومع تراكم هذه الاختلالات، يتشكل مشهد التشتت والضياع: عقل مشتت، قلب مثقل، روح خاملة، وحياة بلا بوصلة. ويبقى القول: الحقيقة الأهم أن هذا كله ليس ظلمًا مفروضًا من الخارج، بل نتيجة خيارات داخلية. كما جاء في قول الله تعالى: «وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون»، فالطريق إلى الحياة الحقيقية يبدأ حين يقرر الإنسان الاتجاه إلى الله تعالى فيوقظ وعيه، ويستعيد مسؤوليته، ويعيد ترتيب أولوياته، ويختار أن يكون حيًّا بالمعنى والقيمة والغاية، لا مجرد كائن يمشي بين الأحياء.