تعد نظرية الغرس الثقافي من أهم نظريات التأثير التراكمي في الدراسات الإعلامية. تنطلق هذه النظرية من فرضية أساسية مفادها أن التعرض المستمر وطويل الأمد لمضامين وسائل الإعلام الجماهيرية، خصوصاً التلفزيون، يؤدي إلى غرس تصورات رمزية عن الواقع الاجتماعي في أذهان الجمهور. والمقصود بالغرس هنا ليس الإقناع المباشر ولا التأثير السريع بل تشكل تدريجي لبنية الإدراك ولتصورات العالم الاجتماعي، بحيث يبدو الواقع كما تعرضه الوسيلة أمراً طبيعياً وبديهياً. يرتبط هذا التصور باسم الباحث الأميركي جورج جربنر الذي يعد أحد أبرز رواد بحوث التأثير الإعلامي طويلة المدى. وقد طوّر نظريته في سياق نقده لدراسات التأثير القصير التي ركزت على الإقناع المباشر وتجاهلت التأثيرات المجتمعية والتراكمية. وهو من أبرز علماء الاتصال في القرن العشرين ومن الشخصيات المؤسسة لدراسات تحليل المحتوى في مجال الإعلام. ولد جربنر في المجر وهاجر في سن مبكرة إلى الولاياتالمتحدة هرباً من الاضطرابات السياسية في أوروبا، وهو ما أسهم في تشكيل حسه النقدي واهتمامه بقضايا السلطة والعنف وصناعة الصور الذهنية. تقوم نظرية الغرس الثقافي على مجموعة من المبادئ الأساسية. أولها أن التلفزيون يشكل مصدراً رمزياً مركزياً مشتركاً للمعاني في المجتمع الحديث. يرى جربنر أن التلفزيون في المجتمعات الحديثة يقوم بدور الراوي أو الحكواتي الذي كان يؤديه في السابق الخطيب أو الشاعر في المجتمعات التقليدية. فالتلفزيون لا يكتفي بنقل الأخبار أو الترفيه بل يقدم رواية مستمرة عن العالم وعن ما هو طبيعي أو خطير أو مقبول أو منحرف. من خلال التكرار اليومي للقصص والصور والشخصيات ينسج التلفزيون سردية رمزية موحدة نسبياً تشكل الخلفية الثقافية المشتركة لأفراد المجتمع. هذا الدور السردي يجعل التلفزيون قوة ثقافية عميقة التأثير لا تمارس نفوذها عبر رسالة واحدة بل عبر تدفق دائم من الحكايات التي تغرس معاني محددة عن السلطة والعنف والعلاقات الاجتماعية. عند جربنر تكمن خطورة هذا الدور في أنه يعمل في الغالب دون وعي مباشر من الجمهور حيث تتحول رؤية التلفزيون للعالم إلى مرجع ضمني لتفسير الواقع وفهمه. ثانياً، إن كثافة التعرض، وليس مضمون رسالة بعينها، هي العامل الحاسم في التأثير. لذلك، يظهر مفعول الغرس عن طريق التمييز بين المشاهدين كثيفي التعرض ومحدودي التعرض وما يترتب على ذلك من فروق في تصور الواقع. ومن أشهر الأمثلة التطبيقية ما يعرف ب (متلازمة العالم المخيف) حيث أظهرت دراسات جربنر أن المشاهدين كثيفي التعرض لمضامين العنف التلفزيوني يميلون إلى الاعتقاد بأن العالم أكثر خطورة مما هو عليه فعلاً وأن احتمالات الجريمة والعنف مرتفعة في الحياة اليومية. مثال آخر يتمثل في غرس الصور النمطية المرتبطة بالجنس والعرق والطبقة الاجتماعية حيث يؤدي التكرار المستمر لنماذج معينة إلى ترسيخها بوصفها طبيعية أو سائدة ومقبولة. ورغم أن النظرية نشأت في سياق هيمنة التلفزيون فإنها لا تزال ذات أهمية واضحة في العصر الرقمي مع الحاجة إلى إعادة تكييفها نظرياً ومنهجياً. في البيئة الرقمية، لا يختفي الغرس بل يتخذ أشكالاً جديدة عبر المنصات الاجتماعية وخوارزميات التوصية. التعرض الكثيف والمتكرر لمحتوى معين سواء كان إخبارياً أو ترفيهياً أو إيديولوجياً يسهم في بناء تصور محدد للواقع الاجتماعي والسياسي. مثال ذلك غرس تصورات عن العنف والتهديد عبر تدفقات إخبارية مستمرة أو غرس معايير جمالية واستهلاكية عبر منصات الصور والفيديو. كما أن الخوارزميات تعزز الغرس من خلال إعادة إنتاج المحتوى نفسه ضمن فقاعات معلوماتية مغلقة مما يزيد من قوة التأثير التراكمي.