نشر الجيش السوري قواته الإثنين في مناطق كانت تحت سيطرة المقاتلين الأكراد في محافظتي دير الزور والرقة في شمال البلاد وشرقها، غداة إعلان دمشق عن اتفاق مع قوات سورية الديموقراطية يشمل وقفا لإطلاق النار ودمج قواتها ضمن مؤسسات الدولة. ورغم بدء تنفيذ الاتفاق، تبادل الجيش السوري والقوات الكردية الاثنين الاتهامات بتنفيذ هجمات في شمال وشرق البلاد، حيث أفاد الجيش بمقتل ثلاثة من عناصره بهجمات نسبها إلى مسلحين أكراد. ويشكّل الاتفاق، وفق محللين، ضربة قاصمة لقوات سورية الديموقراطية (قسد) التي تقلصت مناطق نفوذها. وبدأت قوات الجيش، وفق ما أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري، الإثنين "عملية الانتشار في منطقة الجزيرة السورية لتأمينها بموجب الاتفاق". وأفاد الجيش السوري، وفق ما نقلت وكالة سانا الاثنين، عن وصول وحداته إلى "مشارف" مدينة الحسكة، التي تعدّ مركز محافظة الحسكة، معقل الأقلية الكردية في شمال شرق البلاد. في ريف دير الزور الشرقي، شاهد مراسل فرانس برس أرتالا عسكرية مؤلفة من عشرات الآليات وهي تقلُ قوات أمنيّة وعسكريّة في طريقها إلى المناطق التي أخلتها قوات سورية الديمقراطية فجر الأحد قبيل إعلان الاتفاق. وأفاد عن صف طويل من السيارات والشاحنات الصغيرة والدراجات النارية انتظرت عبور جسر ضيق فوق نهر الفرات، الذي يفصل المحافظة الغنية بحقول النفط إلى جزئين. وقال سائق سيارة الأجرة محمّد الخليل (50 عاما)، وهو ينتظر وصول ابنه المتطوع مع القوات الحكومية، لفرانس برس "فرحتنا لا توصف بالتحرير"، مضيفا "لا يريد الشعب حاليا سوى الأمان". بدون خوف بموجب نصّ الاتفاق الذي نشرته الرئاسة السورية وحمل توقيعي الرئيس أحمد الشرع وقائد قسد، يتعين على الإدارة الذاتية الكردية "تسليم محافظتي دير الزور والرقة إداريا وعسكريا للحكومة السورية بالكامل فورا". وكانت قوات قسد تسيطر على أجزاء واسعة من المحافظتين ذواتي الغالبية العربية، منذ طردها تنظيم "داعش" تباعا منهما بدعم من التحالف الدولي بقيادة واشنطن. وفي دير الزور الغنية بالنفط، تواجدت قوات قسد في المناطق الواقعة على الضفاف الشرقية لنهر الفرات، بينما انتشرت القوات الحكومية الجديدة عند ضفافه الغربية منذ الإطاحة بالحكم السابق، بما في ذلك مدينة دير الزور. وقالت مدرّسة الفيزياء صافية كدّو (49 سنة) لوكالة فرانس برس "كانت السنوات الماضية ثقيلة على الناس، لكن علينا اليوم أن نطوي صفحة الماضي وننظر للمستقبل بتفاؤل". وأضافت "مطالب الناس خدمية، نريد عودة الأطفال إلى المدارس بدون خوف، وعودة الكهرباء والماء والخبز، نحن لا نطلب معجزة، لا نريد إلا الاستقرار وحياة طبيعية". واتجهت الفرق الفنية التابعة لوزارة الطاقة، وفق ما قال مدير الاتصال الحكومي في الوزارة أحمد السليمان للتلفزيون الرسمي، "إلى المنشآت في حقول النفط في المناطق المحررة حديثا" في شمال وشرق البلاد "لتقييم حالتها الفنية". في مدينة الرقة التي جعلها تنظيم "داعش" لسنوات معقله في سورية من مطلع 2014 حتى طرده منها عام 2017، باشرت قوات الأمن الانتشار في وسط المدينة. وشاهد مراسل فرانس برس رتلا عسكريا يعبر المدينة خلال عمليات تمشيط تخللها سماع رشقات رصاص متقطع. وفي إحدى الساحات العامة، تجمّع عشرات السكان بينما صعد عدد من الشبان إلى نصب تمثال امرأة، وضعته قوات قسد تكريما ل"المرأة الحرة"، واستخدموا حبالا ومطارق لإسقاطه وسط هتافات وتجمهر. وقال خالد العفنان (34 عاما) أحد سكان المدينة "نحن مع حقوق الأكراد المدنية مثل الجنسية والثقافة لكن نعارض أن يكون لهم دور عسكري، فات الأوان بالنسبة لهم، والاتفاق مهم لحفظ أرواح المدنيين". وبعد عام من توليها الحكم في دمشق، وعلى وقع تعثر المفاوضات مع الأكراد لدمج مؤسساتهم في إطار الدولة، بدأت القوات الحكومية هذا الشهر هجوما من حلب حيث طردت مقاتليهم من حيين كانا تحت سيطرتهم في ثاني كبرى مدن سورية، وتقدمت شرقا باتجاه الرقة ودير الزور. وشكّل اتفاق الأحد ضربة للأكراد الذين كانوا يطمحون للحفاظ على مكتسبات الإدارة الذاتية التي بنوها خلال سنوات النزاع، وشملت مؤسسات مدنية وعسكرية منظمة ومدربة تولت إدارة مساحات واسعة في شمال سورية وشرقها. كما يضع حدا لصيغة الحكم اللامركزية التي تمسّكوا بها خلال جولات المحادثات مع سلطات دمشق. ويرى الباحث في الشأن الكردي موتلو شيفير أوغلو أن التطورات على الأرض تسير "بوتيرة سريعة"، معتبرا أن تقدّم الجيش السوري إلى مناطق كانت تحت سيطرة الأكراد يثير شكوكا "جدّية حول مدى إمكانية صمود الهدنة الأخيرة واتفاق 10 مارس". وجاءت الاشتباكات مع الأكراد بعد أعمال عنف دامية على خلفية طائفية طالت في مارس الأقلية العلوية في الساحل السوري، ثم الأقلية الدرزية في جنوب البلاد في يوليو. الشرع يعلن اتفاقا مع الأكراد يقلّص نفوذهم وكان الرئيس السوري أحمد الشرع أعلن الأحد التوصل إلى اتفاق مع قوات سورية الديموقراطية (قسد) التي يقودها الأكراد، يتضمن وقفا لإطلاق النار ودمج عناصرها في صفوف القوات الحكومية التي تقدمت في الأيام الماضية على حسابهم في شمال البلاد وشرقها. وأكد قائد قوات سورية الديموقراطية مظلوم عبدي أنه قبل بالاتفاق لتجنب حرب أوسع نطاقا. ويشكل الاتفاق عمليا ضربة قاصمة للأكراد الذين كانوا يطمحون للحفاظ على مكتسبات الإدارة الذاتية التي بنوها خلال سنوات النزاع، وشملت مؤسسات مدنية وعسكرية منظمة ومدربة تولت إدارة مساحات واسعة في شمال وشرق سورية. كما يضع حدا لصيغة الحكم اللامركزية التي تمسّكوا بها خلال جولات المحادثات مع السلطات في دمشق. وجاء إعلان الاتفاق الذي حمل توقيعي الشرع وعبدي، عقب تمدد الاشتباكات بين قوات قسد ومقاتلين محليين موالين لدمشق إلى مدينة الرقة (شمال) حيث سقط قتيلان وفق الإعلام الرسمي، مع تقدم القوات الحكومية على جبهات عدة وانسحابات متلاحقة للقوات الكردية. وقال الشرع للصحافيين في القصر الرئاسي "أوصي الآن في الوقت الحالي بوقف إطلاق النار بشكل كامل"، آملا أن يكون الاتفاق "بداية جيدة للبناء والتنمية والإعمار، وأن تنتهي سورية من حالة التقسيم الحاصل، وتذهب إلى حالة الوحدة والتقدم والريادة". وأتى ذلك إثر استقبال الشرع في دمشق المبعوث الأميركي توم باراك الذي كان التقى السبت مظلوم عبدي في أربيل بشمال العراق. وأشاد باراك بالتفاهم بين الأكراد الذين دعمتهم بلاده لسنوات في مواجهة تنظيم "داعش"، والشرع الذي باتت واشنطن داعمة رئيسة له. وفي منشور على منصة اكس، قال باراك إن الاتفاق يشكل "نقطة تحوّل مفصلية، إذ يختار الخصوم السابقون الشراكة بدلًا من الانقسام". ونشرت الرئاسة السورية النصّ الكامل ل"اتفاقية وقف إطلاق النار والاندماج الكامل"، والمؤلفة من 14 بندا. وتضمن أبرزها "دمج" قوات سورية الديموقراطية وقوى الأمن الكردية ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، و"تسليم" الإدارة الكردية الذاتية محافظتي دير الزور (شرق) والرقة (شمال) "فورا" الى الحكومة السورية التي ستتولى كذلك مسؤولية ملف سجناء تنظيم "داعش" وعائلاتهم المحتجزين لدى الأكراد. ويمنح الاتفاق قيادة قسد تقديم "قائمة قيادات مرشحة.. لشغل مناصب عسكرية وأمنية ومدنية عليا"، على أن يصدر الشرع مرسوما "بتعيين مرشح ليشغل منصب محافظ للحسكة". وقال عبدي في بيان بثته قناة روناهي الكردية "كان الإصرار واضحا على فرض هذه الحرب علينا"، مضيفا "ومن أجل ألا تتحول هذه الحرب إلى حرب أهلية... قبلنا أن ننسحب من مناطق دير الزور والرقة الى الحسكة لنوقف هذه الحرب". أقل بكثير من جهتها، أعربت تركيا الداعمة للسلطات السورية، عن أملها بأن يسهم الاتفاق في ترسيخ "الاستقرار والأمن". وجاء في بيان لوزارة الخارجية "نأمل بأن يسهم هذا الاتفاق في (ترسيخ) الأمن والسلام للشعب السوري وكذلك المنطقة بأسرها، لا سيما الدول المجاورة لسورية". ورأى الباحث ألكسندر ماكيفر إن الاتفاق "هو أقل بكثير مما كانت قوات سورية الديموقراطية قد أقامته على مدى الأعوام في الشمال الشرقي، وحتى سيناريو اللامركزية التي كانت تدفع من أجله في المفاوضات". وأفادت وسائل الإعلام الرسمية السورية عن احتفالات بعد إعلان الاتفاق، شملت مدينة الرقة. وبعد عام من توليها الحكم، وعلى وقع تعثر المفاوضات مع الأكراد لدمج مؤسساتهم في إطار الدولة، بدأت قوات الحكومة هذا الشهر هجوما من حلب حيث طردت مقاتليهم من حيين كانا تحت سيطرتهم، وتقدمت باتجاه الرقة ودير الزور. واندلعت الأحد "اشتباكات داخل أحياء مدينة الرقة بين قوات سورية الديموقراطية ومسلحين محليين من أبناء العشائر العربية"، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان. وأفادت وكالة سانا الرسمية عن "مقتل مدنيَّين اثنين برصاص تنظيم قسد" فيها. ومنذ سيطرته عليها مطلع 2014، جعل تنظيم "داعش" من مدينة الرقة معقلا له في سورية ، قبل أن تتمكن "قسد" من دحره منها عام 2017. وجاءت اشتباكات الرقة بعيد انسحاب مفاجئ ل"قسد" التي تضم في صفوفها الآلاف من المقاتلين العرب من أبناء المنطقة، فجر الأحد من شرق محافظة دير الزور ذات الغالبية العربية. وقال مدير المرصد رامي عبدالرحمن لفرانس برس "انسحبت قوات سورية الديموقراطية فجر الأحد من كامل مناطق سيطرتها في ريف دير الزور الشرقي، بما يشمل حقلي العمر والتنك"، على وقع "تقدم مقاتلين محليين من أبناء العشائر بالتنسيق مع السلطات". ودعا الشرع الأحد العشائر العربية إلى أن "تلتزم الهدوء والسكينة من أجل فتح مجال لتطبيق بنود الاتفاق تدريجيا حتى نصل إلى الهدوء التام في سورية ". تفجير جسرين وجاء انسحاب القوات الكردية من ريف دير الزور الشرقي، بعد ساعات من انسحابها من مدينة الطبقة، وإعلان الجيش السوري سيطرته عليها وعلى سد الفرات، أكبر سدود البلاد وإحدى أكبر منشآت الطاقة الكهرومائية في سورية. وأفاد مراسلو فرانس برس عن نشر الجيش لمدرعات ودبابات في محيط المدينة، مقابل تسيير دوريات في شوارعها. ولازم غالبية السكان منازلهم، بينما أقفلت المحال والمؤسسات التجارية أبوابها. عند المدخل الشمالي لمدينة الطبقة، شاهد مصور فرانس برس سكانا يدمرون تمثالا لمقاتلة كردية قتلت خلال معارك دحر تنظيم "داعش" من الرقة. واتهمت دمشق قوات سورية الديموقراطية بتفجير جسرين على نهر الفرات. من جهتها، اتهمت الإدارة الذاتية الكردية الأحد القوات الحكومية ب"الهجوم على قواتنا في أكثر من جبهة" منذ السبت، على الرغم من "الانسحاب من بعض المناطق". وخلال أشهر، تبادلت دمشق والإدارة الكردية الاتهامات بإفشال تطبيق اتفاق مارس الذي وقعه الطرفان وكان يُفترض إنجازه في نهاية 2025. وعلى وقع التصعيد، أصدر الشرع مرسوما غير مسبوق الجمعة، منح بموجبه المكون الكردي حقوقا رئيسة بينها الجنسية للمحرومين منها واعتبار عيد النوروز عيدا وطنيا.