في حياة الإنسان لحظاتٌ فاصلة، لا تُقاس بالزمن بل بالأثر، تهزّ الروح قبل أن تمسّ الأيام. ولعلّ أقساها على الإطلاق رحيلُ من نحب؛ ذلك الغياب الذي لا يبدّل تفاصيل الحياة فحسب، بل يعيد ترتيب المشاعر، ويترك فراغًا لا يشبهه شيء. الفقد ليس مجرد حدثٍ عابر، بل تجربة وجودية تعرّفنا على هشاشتنا أمام القدر، وتُجبرنا على مواجهة ذواتنا دون أقنعة، في حضرته، تصبح الذكريات أكثر واقعية من اللحظة الراهنة، ويغدو الماضي ملاذًا دافئًا نهرب إليه كلما اشتدّ الألم، مع قسوة الغياب، يتعلّم الإنسان الصبر على نحوٍ مختلف، نفهم تدريجيًا أن الأحباب، وإن غابوا بأجسادهم، فإن أرواحهم لا ترحل؛ تبقى في الدعاء، في تفاصيلنا الصغيرة، وفي نبض الذاكرة التي ترفض النسيان. وسط هذا الزحام من المشاعر المتداخلة، تظهر لنا أحيانًا سفينة نجاة هادئة، لا تنتشلنا من الألم، لكنها تعلّمنا كيف نبحر فيه دون أن نغرق، قد تكون هذه السفينة محبًا صادقًا، أو صديقًا وفيًا، يمسك بأيدينا حين تضيق الصدور، ويذكّرنا بأن المشاركة تخفّف ثقل الحزن، وإن لم تُلغِه، وفي خضمّ هذه التجربة، يترسّخ يقين عميق: أن الله لا يكسر القلوب عبثًا، ولا يأخذ عزيزًا إلا ليزرع في مكانه فهمًا أعمق للحياة، واتكاءً أصدق عليه، ورحمةً أقرب مما نتصوّر. هكذا نمضي في دروبنا ، مثقلين بالحنين، لكن أكثر نضجًا، أقوى بالرضا، نودّع من أحببنا بدمعة صادقة، ونستقبل أيامنا بدعاء، مدركين أن كل فقد؛ مهما أوجع، يحمل في طيّاته بداية مختلفة، ونضجًا صامتًا، وقلبًا صار يعرف الحياة بعمقٍ أكبر، رحم الله أمواتاً ما زالوا أحياء في قلوبنا وذاكرتنا، وإلى لقاء في جنة الفردوس- إن شاء الله- وإياكم أجمعين.