لم يعد الذكاء الاصطناعي اليوم عنوانًا للدهشة والحيرة، ولا مادة للجدل النظري، ولا مساحة للترفيه العابر، بل أصبح واقعًا يوميًا يفرض نفسه على تفاصيل حياتنا المتنوعة، شئنا أم أبينا، لقد سالت قريحة قلمي ولم أعد أحتمل أن أبقي مافي داخلي مكتوماً والسبب في ذلك أننا أصبحنا أمام تحوّل تاريخي عميق ومهم جداً، وهذا التحول لا ينتظر المترددين، ولا يلتفت لمن يستهين به أو يقلل من شأنه، إنني على قناعة راسخة أن الزمن تغيّر، وأن أدواته تغيّرت، وأن من يصرّ على التعامل مع معطيات الأمس بعقلية الماضي، سيجد نفسه خارج المشهد وأن قطار الحياة فاته، لا لقصور في الإمكانات، بل لعجز في الرؤية والتعايش، لقد تجاوز الذكاء الاصطناعي مرحلة التجريب، ودخل مرحلة التأثير المباشر في التعليم، والطب، والإدارة، والاقتصاد، والإعلام، والبحث العلمي، وحتى في أدق تفاصيل اتخاذ القرار، حيث إنه لم يعد السؤال، هل نحتاج الذكاء الاصطناعي؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا، هل نحن مستعدون للتعايش معه بوعي ومسؤولية كاملة؟، إن المقلق في المشهد الحالي ليس تقدّم الذكاء الاصطناعي ذاته، فالتقدم سنة كونية، وإنما المقلق هو النظرة السطحية التي بدأت تتشكل لدى شريحة من المجتمع، حيث يُختزل هذا التحول العميق في صور ساخرة أو مقاطع ضاحكة أو مقالب عابرة، وكأن الذكاء الاصطناعي وُجد للترفيه لا للبناء، وللتسلية لا للتطوير، إن هذه النظرة ليست بريئة، بل خطرة، لأنها تُفرغ أداة استراتيجية من قيمتها، وتُربك الوعي العام، وتؤخر الاستفادة الحقيقية منها في مجالات العلم، والتعلّم، والثقافة، وتطوير الذات، وصناعة الحلول للتحديات المعقدة التي تواجه مجتمعاتنا، إن التعايش مع هذا الوضع لا يعني التخلي عن القيم، ولا مصادرة الدور الإنساني، ولا إلغاء العقل البشري، بل يعني فهم الأداة وتسخيرها بشكل صحيح وسليم، وضبط استخدامها، وتوجيهها لما يخدم الإنسان لا ما يستبدله، إن الأدوات لا تصنع الانحراف، بل إنها بكيفية طريقة استخدامها، وذلك هو الذي يحدد مسارها، ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على الأفراد وحدهم، بل تتوزع على منظومة كاملة تشمل القطاعات التعليمية، والمؤسسات الحكومية، والقطاع الخاص، والقطاع الصحي، وكل جهة تتعامل مع الإنسان وتؤثر في وعيه ومستقبله، إن إدخال الذكاء الاصطناعي في منظومات التدريب والتعليم والتخطيط لم يعد خيارًا تجميليًا أو ترفيهياً، بل ضرورة استراتيجية، وفي هذا السياق، لا يتعارض التوكل على الله سبحانه وتعالى مع الأخذ بأسباب العصر، بل إن الأخذ بالأسباب جزء أصيل من معنى التوكل، فكما تعاملت الأمم السابقة مع أدوات زمانها، فإن هذا الزمن يفرض أدواته، ومن الحكمة أن نتعامل معها بوعي وإيمان ومسؤولية، إن أخطر ما يمكن أن نواجهه ليس الذكاء الاصطناعي نفسه أو أدواته، بل الجهل به، والخوف غير المبرر منه، أو الاستهانة بقدراته، فالجهل لا يحمي، والتقليل لا يوقف التقدم، والتأخر لا ينتظر أحدًا، ختامًا، فإن التعايش مع متطلبات العصر الحديث ليس رفاهية فكرية، ولا خيارًا مؤجلًا، بل هو استحقاق زمني، وواجب حضاري، ومسؤولية جماعية، ومن لا يستعد اليوم، سيدفع ثمن الغياب غدًا، لا لأن العالم قاسٍ، بل لأن الزمن لا يعود إلى الوراء.