رواية "أخابيط" للكاتبة والروائية السعودية لينة الشعلان، التي تنتسب إلى فضاء أدب الخيال العلمي، تحثّ على طرح أسئلة رؤيوية انطلاقاً من إشكاليّةٍ واقعيةٍ مُلحّة. تدقّ ناقوس الخطر جاعلةً إيّاه أيضاً يُحدث طنينًا تأمُّلياً فكريّاً فلسفياً راهناً ومستقبلياً غائراً في مهجة القارئ العربي النوعيّ. ليست روايةً عاديّة ترتكز على الإمتاع أو التشويق بصورةٍ تقليدية أو كلاسيكية، بل تستنفر قوى الدماغ تساؤليّاً، إن لم نقُل تُسائل غدَ الكينونة وأتياه الصيرورة، بعدما انفلتت التكنولوجيا من قدرة الإنسان على التحكّم بها وغدت تنقلب عليه بوضوح. ما يحدث واقعياً راهناً ليس أقلّ من هذيانٍ واختلالٍ لهذا العالم، جلّ ما تفعله الروائية حدسيّاً بذكاءٍ برّاق هو اجتراح خيالها المحلِّق الموازي غير المنفصل عن هواجس الواقع والآتي المشروعة، والذي يُشرّع باب الطروحات والإشارات والدلالات الاستفهامية من أجل حماية الذات والوجود، وإنسانية الإنسان وهويته وفجره وأفقه. قال آلبرت آينشتاين إنّ "الخيال أهم من المعرفة فالمعرفة محدودةٌ بما نعرفه حتى الآن وبما نفهمه منها، فيما الخيال يشمل العالم كلّه وكلّ ما ستتمّ معرفته، واكتشافه، وفهمه إلى الأبد". وكتبتُ في قصيدتي المنشورة منذ زمن بعنوان "أكتب أسماءكم على خيوط الشمس": "وشرُّ البلادِ بلدٌ ذكاؤه اصطناعيٌّ وغباءُ أهلِهِ طبيعيٌّ". وإذا كانت ربّما ثمّة مبالغة نسبية في استنتاج أنّ الرواية تتلفّع باستشراف الشعلان، فإنّ ذلك لا يستبعد فرضية أن تكون محفوفةً باستشرافٍ حقيقيٍّ ما، ولو بتمثُّلٍ رمزيٍّ ذي معنى يُوحي ويومئ ويُليح. رواية الشعلان توقظ فينا ملكة التقصّي والبحث في مخاطر الذكاء الاصطناعيّ والتكنولوجيا، ليُسترشد بهما نحو مشاعل ومصابيح الاستدلال. الأهمّ أنّ كلّ ذلك لم يأتِ في سياقٍ وعظيّ إرشاديّ مملّ أكل الدهر على أسلوبه ومضمونه وشرب، بل تمظهر في إطارٍ فنّيٍّ أدبيّ إبداعيّ مميّز يُصحّي جذوات التجريد وانبلاجات ما بعد الاستعلام والاستبصار. لا تجوز مقاربة هذه الرواية بأدواتٍ ومنهجيةٍ نقدية نظرية باردة أو متبلّدة لا تؤخّر ولا تقدّم أو بعرضٍ نمطيّ للأحداث وتتابع المجريات، بل لا بدّ من احتفاءٍ قرائيّ بها على اعتبارها عملاً ذا خصوصية فريدة، يُثري الأدب السعودي والعربي. غالباً ما يقف القارئ العربي مشدوهاً أمام معظم الروايات الغربية، ولذلك أسبابٌ واعية بعضها فقط موضوعيّ، وأُخرى سَيْكولوجية تُعشّش في اللاوعي الفرديّ والجمعيّ نتيجةً للانبهار بالثقافة المهيمنة. غير أنّ للعرب صهوات في الرواية. الحقّ أقول إنّ "أخابيط" على صعيدَيْ العمق والثقل التأمّليّ اللذين تحضّ عليهما تحديداً قد ذكّرتني برواية "فرانكنشتاين أو بروميثيوس هذا العصر" الغنية عن التعريف لماري شيلي. "أخابيط" روايةٌ تجول بعيداً وتستأهل تداوُل أحابيل رصدها في استنباطات خيالٍ ابتكاريّ يستحثّ على تنبيه الوعي وتثوير الركون.