بعض الطرق المزروعة المملوءة بالورود؛ طرق موت! إذ عُدمت السالكين، فلا حياة لانعدام السالكين؛ وما أنبتته الأرض فهو تأبينهم، فالثمر في مسلك الأحياء نُصب موت. كما أنّ تنمية القالب وتقديمه على القلب، تنمية ظاهرة تغري العيون، ولو كانت علامة موت عند انفصالها عن حقيقة القلب في عالم القلوب (المعاني). وأزمات الهويّة ليست مجرّد أزمات، بل أزمة موت وأزمة صور. هكذا يتأسس الظلم، فتُظْلم الحقائق، وتبقى إشارات لحياة ذهبت. يرى العطّاس أنّ الهويّات الغربيّة المتشظية مؤسّسة على «الظلم»، وما أزمة الفجوات بين الأجيال إلا بعض آثارها، لأنّها تطلب الرشد والإرشاد من الواقع، كمن ينظر للعشب في الجادّة ويحسبه حياة، ناظراً للواقع لا المعنى المحيي له، أو من يقوّم الإنسان وحياته بحسب منجزه الظاهر، وفق نمط النجاح المرسوم دنيويّاً. في حين الواقع وقائع تجلّي المعاني، واختبارها بالتجارب، والتجارب لا منتهى لها، وليس كل مجرّب حرّي به أن يقدّم نموذجاً لأنه جرّب فقط! ويلزم من ذلك حصول الانقسامات، وتعدد التوجهات؛ والتي بدورها تثبّت حالة التشظّي، واستمرار أزمات المجتمع الحديث. وتصوير العطّاس للمجتمع الغربي الحديث ليس تصويراً لآخرٍ مختلف، بل لآخر اكتسح العالم بهذه النماذج المرتحلة، بسلاح «المعرفة الخطير»؛ وهو منتج مجتمع مثخن بفجوات وأزمات ورؤية كونيّة ظالمة؛ فانتشر كما تنتشر البذور بسميّتها ونافعها وضارها، مغطيّة الطرق السالكة بثمرها؛ ليُظنّ أنها حياة! والحضارة الغربية المعاصرة ليست وليدة توجهات حديثة فقط، بل هي بوتقة انصهر فيها إرث إنسانيّ ممتد، منذ العصور القديمة حتى الحديثة، في حالة تجميع، دون فحص ونظر لأسس النظرة الكونية، أهي حقيقية ويقينية أم مجرد استحسان وتجميع وتجريب للرؤى حسب كل حقبة زمنية لها أجيالها؟ فأزمات الجيل المحصور في مدة زمنية قصيرة (شباب، متوسطو عمر، شيوخ)؛ ليست إلا بعض آثار أزمات أجيال متعاقبة، ورثت عنهم الحضارة الغربية أزماتهم، ومنافعهم، ووجهتها بوجهتها الحديثة. وهذا الغمر والدمج أنتج سمات لثنائيات وقيم متصارعة، لا تصحح من الداخل، لأصالة تناقضها وتعارضها؛ تعكس رؤى شاملة، منحبسة في صراع جوهري يائس. أمّا المعرفة العادلة، فهي المبنيّة على معرفة حقيقية، موحى بها، تعرّف الإنسان بحقيقته، وغايته، ومثاله المحتذى به، وأنه روح وبدن، سرّ في كليّة كيانه المنخرط في الوجود، وفق رؤية كونية متناغمة عادلة، أُختبرت ممارسته الوجوديّة في الإسلام؛ وبمعرفة هذا فإنّ الأزمة الفرعية «أزمة الفجوات بين الأجيال» ليست معتبرة في الإسلام؛ لتأسس المجتمع على العدل، والفرد والمجتمع كلاهما متحد الحقيقة والغاية والنموذج الهادي، بكل فئاته العمرية، وجنسه من ذكر أو أنثى، لا يعانون من أزمة هويّة؛ إذ معرفتهم القبليّة المؤمنة بالميثاق واحدة، والمصدّقة بمهمة متابعة شرع من واثقوه (ربنا سبحانه)، ومدركون لغايتهم النهائيّة، ومتبعون لنموذجهم المقتدى به، في كل أشكال حياتهم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم؛ الذي اختاره ربنا ليعرّفنا ب حقيقتنا، ومهمتنا، وغايتنا؛ وهذه الثلاث بالنسبة للذكر كما هي للأنثى، وللشاب كالكهل والشيخ، وللأجيال قبل قرون مثلها للأجيال بعد قرون، والحبل الواصل بينهم حبل «التواصي على الرشد». وعلاج العالم ب»الميثاق الإلهيّ» و»المهمّة الإنسانيّة» و»القدوة المصطفاة»؛ فبهذه الثلاثية تُتخطّى أزمة الهويّات الغربية المعاصرة، التي انتشرت في العالم، خصوصاً بثلاثيتها: «عبادة الشباب» و»أزمة منتصف العمر» و»رعب الشيخوخة»؛ مهما تكاثرت حولها الدراسات الراصدة لصفات ومؤشرات فئات مأزومة، لا يحقّ للدراسات الوصفية أن تجعلها نمطاً عاماً للبشرية. فالرشد يبقى في «ميثاق الإشهاد» من أوّل اختيار التزم به الإنسان، وتعرّف على حقيقة نفسه، وعرف ربّه، وتحمّل مهمته في هذه الحياة، والتي هي «رحلة رجوع إلى ربّه»، ممارساً التزامه بهذا الميثاق كل يوم، يتجدد معه عمله والتزامه. فمهمّته الأولى هي «كيف أحفظ هذا الميثاق ولا أنقضه»؟ وهذا هو المعيار الذي توزن به حياته حتى الوصول لنهاية الرحلة. أمّا «القدوة الإنسانيّة» محمد صلى الله عليه وسلم؛ فحياته نموذج لكل فرد، ومجتمع، وذكر، وأنثى، وجيل، ومكان؛ يتوارثون الرشد بالاسترشاد بنموذجه الكامل صلى الله عليه وسلم، وإدامة الاجتهاد لإقامة العدل في كل المواقف، فلكل جيل مهمّة استقامة رحلته لا تحديد هويّته الموهوبة، وإزالة العقبات أمام السالكين من بعدهم، إرشاداً للجيل اللاحق، في رحلة ممارسة للمعرفة الحقّة، وتعريف بها، لتلبّس المعرفة بالهوية الراشدة: من المهمّة، والغاية، والنموذج.