صدر حديثًا للكاتب توماس مان كتاب «رحلة بحرية مع دون كيخوته» بترجمة أحمد الزناتي، وهو عمل تأملي يجمع بين السيرة الفكرية والقراءة النقدية، ويقدّم فيه «مان» مقاربة مختلفة لإحدى أعظم روايات الأدب الإنساني، دون كيخوته لثيربانتس. الكتاب ليس قراءة تقليدية للرواية، بل رحلة ذهنية وأدبية يخوضها توماس مان وهو على متن سفينة في عرض البحر، حيث تتقاطع تجربة السفر الجسدي مع السفر في النصوص والأفكار. يتخذ مان من دون كيخوته مرآة يتأمل عبرها معنى البطولة، والوهم، والصراع بين المثال والواقع، في زمن تتغير فيه القيم وتتصدع فيه اليقينات. ويمتد النص ليطرح رؤى عميقة حول أدب الرحلات بوصفه حالة إنسانية قبل أن يكون جنسًا أدبيًا، كما يتوقف عند فن الكتابة الروائية وعلاقتها بالخيال والتاريخ، إضافة إلى تأملات دقيقة في فن الترجمة ودورها في نقل روح النص لا مجرد معناه. ويمنح الكتاب القارئ فرصة نادرة لمصاحبة عقل كاتب كبير وهو يقرأ كاتبًا عظيمًا، في حوار ثقافي عابر للزمن واللغة. يصف «مان» رحلته البحرية عبر الأطلسي بالتوازي مع رحلته عبر «محيط الحكايات» في رواية دون كيخوته، وهي تجربة فريدة في أدب الرحلات. كما أنه يقدم نقداً للقارئ من خلال دفاع «مان» عن قراءة الأدب الجاد والعميق حتى في أوقات التسلية والسفر، ويحارب «أدب التسلية» الضحل. ونجد أن النص يمزج بين التجربة الشخصية والتأمل الأدبي، ويعكس روح العصر المضطرب الذي عاشه مان، ويُقرأ كنص كتب عن زمننا أيضًا. يُقدم الكتاب قراءة نقدية عميقة لأحد أعظم أعمال الأدب العالمي، من منظور كاتب عظيم، ويجمع بين التأمل الفلسفي والتحليل الأدبي والتجربة الشخصية في عمل واحد فريد. «رحلة بحرية مع دون كيخوته» عمل موجز في حجمه، عميق في دلالاته، يصلح لأن يكون مدخلًا لفهم توماس مان، ونافذة جديدة لقراءة دون كيخوته خارج القوالب المدرسية، ضمن نص يزاوج بين المتعة الفكرية والصفاء التأملي، ويؤكد أن القراءة، مثل السفر، مغامرة لا تنتهي.