لغة اللون غالباً ما تتوازى مع التعبير اللفظي؛ فاللون رديف للتعبير والفن في مجمله تذوق للقيم الجمالية والمعرفية. والمتلقي العارف بالألوان يدرك أبعاد اللوحة الفنية وجمالياتها، وعندما تتشكل من عالم التجريد فإن القراءة قد تحتاج إلى قدرة واعية لفك رموزها؛ فالفن التشكيلي ببعديه الواقعي والتجريدي خرج من مدرستين مختلفتين في الشكل والمضمون، فعندما نقف أمام هذه اللوحة التي تؤكد لنا من ملامحها أنها قادمة من تضاعيف مدرسة التجريد. هذه اللوحة التي أبدعت فيها الفنانه فاطمة الدهمش، واستلهمت ملامحها وتشكلاتها من ساحة الفريج القادمة من فجر يوم بعيد لمرحلة الطفولة، وبعد أن غاب الرفاق في سفر الحياة ودربها الطويل؛ رأت أن في تداعيات الخيال واستلهامات اللاوعي محطة ملهة للمعرفة، والتحليق من خلال تشابك الأرواح التي مثلت رفاق الطفولة في الزمن الماضي، واستجلت براءة الطفولة المحلقة نحو اكتشاف الأشياء وتقليد الكبار. والدهمش تستلهم تجربتها الإبداعية من اللاوعي لهذا الفن التجريدي الإبداعي، وتحاول أن تسقطه على براءة الطفولة وطقسها العفوي في الحارة القديمة والمعروف بالفريج. والأستاذة فاطمة جميع لوحاتها الفنية تحاول من خلالها أن تثير أبعاداً ثقافية إجتماعية بلمسة جمالية خارج النسق الواقعي، وهنا ندرك القدرة الإبداعية للفنان الذي يحلق في سماء الخيال للوصول إلى عالم ملهم من اللاوعي، من خلال تمازج الألوان التي تؤدي إلى نوع من الغنائية البصرية، والوهج الفني لكل لوحة. ولهذا جاءت لوحة «رفاق الفريج» في سياق تحرير بصري وخيالي واسع، تداخلت فيه الألوان وتشابكت الأرواح بعد أن استدعته الفنانة من اللاوعي، وأسقطته على حالة اجتماعية ناجمة عن الحدس وخيالها الواسع، الأمر الذي يؤكد أن المعرفة القادمة من الحدس والخيال تعد أعلى مرتبة من المعرفة البرهانية، وبالتالي فإن الفن المجرد سيكون أكثر معرفة من الفن الواقعي الذي ينقل شكل الواقع تماماً. وما نقرؤه في لوحة «رفاق الفريج» سيظل أسمى وأجلّ من الذي نقرؤه في تباينات اللوحة الواقعية؛ باعتبار أنها لوحة متعددة القراءات التي تربطنا بملامح مختلفة ومتعددة للمكان الأليف الذي جمع الطفولة والأقران، بما تحتويه من مراحل كثيرة مما قد يطول الشرح فيه، ونتركه لواسع النظر للقارئ الكريم جماع القول إن دمج الألوان وتداخلاتها، واستدعاء الشكل العام للوحة من اللاوعي قد تعتري المتلقي في الوهلة الأولى نوعا من التوجس والريبة؛ باعتبار عالم الأرواح مخيف ومزعج، وأن تشابكات الأجساد تجعل الرائي في حالة انزعاج تام، وما إن تتأمل بعين فاحصة لجماليات اللوحة حتى تتداعى إليك المعرفة وتدرك سعة أفق الفنانة التي تهدف إلى اتساع المدارك والوعي، لتاخذك نحو آفاق رحبة من الفلسفة التي تمنح المتلقي عموما إلى قدرة واعية على قراءة الأبعاد الفنية للوحة، وإذا ما أمعنت النظر، فإنك حتماً تشعر بحالة من التحرر والانعتاق نحو قراءات أخرى متعددة، تجعل من الفن التجريدي بعداً آخر للمعرفة.