العلاقات الاجتماعية حاجة فطرية للإنسان، يسعى لتكوينها وتنميتها مع الآخرين، لتساهم بشكل فاعل في تنمية قدراته ومهاراته الحياتية في مقاومة الصدمات الحياتية والمشاركات الاجتماعية، لتشكل سنداً وعوناً في كل أفراحه وأتراحه، حيث يكون الشخص الاجتماعي هو ذلك الشخص الذي يتفاعل مع الآخرين وينمي الاتصال والتواصل مع الآخرين بكل السبل ليشكل كينونته واحترامه عبر الحفاظ على تلك العلاقات. وعلى الجانب الآخر، فإن الشخص الانطوائي يكون في عزلة اجتماعية عن مخالطة الناس فيسمى انطوائياً. ومع حاجة الإنسان لتكوين العلاقات الاجتماعية يتطور فكره في انتقاء هذه الشبكة من العلاقات مع بلوغه مرحلة الرشد، فنجد أن الشباب أكثر حباً في تكوين شبكة علاقات كبيرة من الأصدقاء، ومع بلوغه مرحلة الرشد يكون قد اقتصرت علاقاته على عدد محدود من الأصدقاء.، وهذا ما يسمى بالانتقائية في تكوين العلاقات الاجتماعية، فلم يعد مطلباً لتكوين عدد كبير من الأصدقاء بقدر ما يكون البحث عن نوع الأصدقاء بحيث يكون ملبياً لميوله ورغبته ويعكس صورته وتصوره، ويرتبط بفكره وتقاليده وعاداته ومعتقداته. ويمكن تعريف الانتقائية بأنها "حفظ للوقت واختصار للجهد ووصول للمقصود بأقل التكاليف، وهي اصطفاء وانتخاب للشيء من بين مجموعة من النخب أو الآراء". ويمكن القول إن الانتقائية مزيج من الشخصية الاجتماعية، والشخصية الانطوائية. حيث أظهرت إحدى الدراسات التي ركزت على قدرات المشاركين على البيع، أن الأشخاص الذين كانت شخصياتهم انتقائية أفضل فيما يتعلق بالبيع وعقد الصفقات، كما أن اختصاصي علم النفس التنظيمي في جامعة بنسيلفانيا الأميركية، آدم غرانت، فسر الأمر بأنه يعود لكون الشخص الذي يتصف بالانتقائية يكون أقدر على فهم مشاعر غيره، وبالتالي فإنه لم يعتمد على الشرح المطول أو القصير عن المنتوجات التي يريد بيعها، وإنما اكتفى بالتكلم بما يناسب حاجة الزبون، مما أنتج في النهاية مزيداً من المبيعات، وقد خلصت الدراسة إلى أن الشخصيات الانتقائية تكون أقدر على الإبداع فيما يتعلق بالتسويق كونها تتمتع بأسلوب مرن في الحديث والاستماع على حد سواء، وبالتالي فإن أصحابها يمتلكون قدرة على إقناع الزبون بالمنتج الذي يعرضونه. باختصار، وبحسب غرانت، فإن هذه الشخصيات تقدم المعلومات اللازمة بدون زيادة أو نقصان. تتميز الشخصية الانتقائية بالعديد من السمات، كأن يستمد الأفكار أو الأسلوب أو الذوق من مجموعة واسعة ومتنوعة من المصادر. عادةً ما يكون للشخص الانتقائي العديد من الاهتمامات، ويميل إلى التفكير المستمر في هذه العناصر والخبرات وميزات الحياة. تميل الشخصيات الانتقائية إلى جعل العالم مكانًا أكثر حيوية ومتعة للعيش. الشخص الانتقائي لديه بالتأكيد مجموعة انتقائية من الاهتمامات والهوايات. ما سبق لا يعني أن الشخص الذي يمزج بين الاجتماعية والانطوائية لا يعاني من سلبيات شخصيته، فعلى سبيل المثال، يعاني هذا الشخص من مسألة صعوبة تعرفه على الجانب الطاغي في شخصيته في موقف معين، على عكس الشخص الاجتماعي الذي يتصرف بنمط واحد طوال الوقت، والأمر نفسه ينطبق على الشخص الانطوائي أيضاً، وهذا الأمر من شأنه كبح حماسة صاحب الشخصية التي تمزج بين الصفتين بشكل لا يتمكن هو نفسه من تفسيره، ويكون غالباً يحتاج لأن ينظر للأمر بطريقة مختلفة عن تلك التي يحاول أن يقوم بها. فعلى سبيل المثال، قد تصله دعوة للخروج مع أصدقائه، ويقوم بقبولها نظراً لعدم قدرته على الجزم بثقة ما إذا كان بمزاج مناسب للخروج أم لا، فتجده يقبل لمجرد محاولة تعديل مزاجه ليجد بأن مزاجه ازداد سوءًا وأنه لو بقي في المنزل يقرأ كتاباً ممتعاً لكان أفضل له.