رواية الرجل الذي كان يُحب الكلاب، تعج بالرجال الذين أحبوا الكلاب، فالجميع في هذه الرواية، يحبون الكلاب، (القتيل وحفيده الصغير، القاتل وأخوه الصغير، الراوي)، مع ذلك فالمقصود بالرجل الذي كان يُحب الكلاب هو القاتل (رامون ميركادير)، وإن أوحت صورة تروتسكي مع كلابه، التي تظهر على غلاف الرواية، بأنه المقصود هو القتيل. الرواية تاريخية سياسية ترسم صورة واضحة عن كواليس السياسة ودهاليزها، بعيدا عن كل شعور ومنطق. إنها سياسة الروبوتات الذكية - الغبية. العقول التي تضع الهدف والغاية من دون التفكير في الوسيلة وما تكلفة من تضحيات وأرواح. ومن دون اعتبارات معنوية أو أخلاقية. إنها سياسة الأنانية والتفرد وصناعة المجد الشخصي. الرواية عبارة عن ثلاث روايات، أو بالأحرى ثلاثة خطوط، ثلاث حيوات بشرية، متوازية متداخلة، لكن بتواريخ مختلفة، (قصة القتيل: لييف دافيدوفيتش تروتسكي - قصة القاتل: رامون ميركادير دل ريو - قصة الراوي: إيبان كارديناس ماتويل). تبدأ الأولى منفردة من العام 1929م، حين نفي لييف دافيدوفتيتش من بلده، وتبدأ الثانية من العام 1938م، حين عُرضت على رامون ميركادر فكرة القيام بعمل يدخله التاريخ. أما الثالثة، وهي التي تحكي القصة كاملة، فتبدأ من العام 1977م، حين التقى القاتل بالراوي في أحد شواطئ كوبا صدفه ليستودعه سره وقصته. الرواية هذه هي مزيج من الحقيقة والخيال، أسماء حقيقة لشخصيات تاريخية لاعبة، لها تاريخ ولادة وتاريخ وفاة، لها أفعال ولها أقوال، لكن فيها من الخيال ومن المعالجة الدرامية ما يسد نقص المعلومة، ويعوّض غياب المشهد والوثيقة، كما صرّح بذلك المؤلف. والرواية بعد ذلك لا عرض لحياة شخص أو أشخاص، بل لطرف مهم من التاريخ الحديث: تاريخ الاتحاد السوفييتي وتاريخ أوروبا وتاريخ كوبا. (الحروب والمعاهدات والاتفاقات والتوافقات والصفقات والخيانات والطعن في الظهر والغزو من دون سابق إنذار، وقضم البلدان وخيانة الشعوب بعد إيهامها بمعسول الكلام وحلو الوعود). صحيح أن الحدث يتصل باغتيال سياسي مفرد، لكن الوصول إلى ذلك الفرد كان يستدعي الوصول إلى العشرات والمئات والآلاف سواه؛ لأن الهدف كان أسمى من الأرواح، كما أن وراء الاغتيال سياسة واستراتيجية وهوسا وتنظيفا وتمهيدا للتربة باغتيالات وإعدامات وتصفيات داخل البيت وبعيداً عنه. فالغاية كانت أبعد من العدل، التي هي (السلطة). الرواية جيدة الحبكة وجيدة السرد، تقع في ما يقارب من 700 صفحة، فكيف لرواية تسرد حادث، أو سيرة حياة، أن تمتد كل هذا الامتداد؟ إلا إذا كان الحدث قطعة مهمة من القطع المعروضة في متحف التاريخ المعاصر الحديث. مقتطفات من الرواية: إن الانتقام الذي يصيب أشخاصًا أبرياء هو الأكثر دناءة والأكثر إجرامًا وخسّة. الكراهية واحد من أعصى الأمراض على الشفاء. من بين الأشياء الكثيرة التي عليك أن تتعلمها هو أن تكون صبورًا؛ لأن الضربة لا توجّه إلى العدو حين يكون واقفًا، بل حين يكون جاثيًا. حينها توجّه الضربة من دون رحمة. حتى الكذب المفضوح يتحوّل بالتكرار إلى حقيقة واقعة إن لم يتصدَّ أحد لردّه ودحضه. أسوأ اعتداء على الصفة الإنسانية هو الإهانة، لأن الإهانة تجرد الفرد من قوته، وتضربه في صميم كرامته. المشكلة هي أنّ من قرروا نيابة عنّا، قرروا أن لا ضير في القليل من الديموقراطية، لكن بحدود... ثم نسوا حتى القليل الذي كان من حقنا، وتحوّلت كل تلك المسألة الجميلة إلى مركز شرطة مهمته حماية السلطة. الناس هنا تقريبًا لا يفكرون، التفكير ترف محظور هنا على الأحياء... فقد كان من الأفضل دائمًا عدم التفكير للهروب من الخوف. يا فتى! في تلك الفترة أدركتُ أن قسوة ستالين ليس مردها الضرورة السياسية أو الرغبة في السلطة فحسب، بل كراهيته للرجال، كراهيته لذاكرة الرجال الذين ساعدوه في خلق أكاذيبه، في الإضرار بالتاريخ وإعادة كتابته. لكنّي في الحقيقة لا أعرف من كان أشدّ مرضًا، ستالين أم المجتمع الذي سمح له بالنمو! يقول القاتل في جلسة التحقيق: سأذكر صرخته ما حييت.