تواصل اهتمام الصحف العربية والغربية بالتصعيد الأخير بين الولاياتالمتحدة الأميركية وإيران، وإرسال الأولى مزيدا من التعزيزات العسكرية إلى منطقة الخليج، أحدثها حاملة الطائرات "يو اس اس لينكولن"، وتباينت التوقعات الواردة في هذه الصحف بشأن مستقبل الأزمة بين تحولها إلى مواجهة عسكرية، مرورا بأن تنتهي على طاولة المفاوضات، وحتى انتهائها إلى لا شيء، ودخل التصعيد بين إيرانوواشنطن مرحلة جديدة، بعد قيام الحرس الثوري، في 20 يونيو 2019، بإسقاط طائرة الاستطلاع الأميركية من طراز "جلوبال هوك"، ورغم أن واشنطن، كما أعلن الرئيس دونالد ترمب، تراجعت عن توجيه ضربة عسكرية لبعض الأهداف الإيرانية ردًا على تلك الخطوة الجريئة، إلا أن ذلك لا ينفي أن هذا الخيار مازال مطروحًا وإن كانت الأولوية للمفاوضات، خاصة أن إيران سعت عبر تلك الخطوة إلى توجيه رسائل عديدة وتحقيق أهداف أخرى ترتبط برؤيتها الاستراتيجية الجديدة لاتجاهات السياسة الأميركية لاستدراج أميركا للمواجهة، واستعجال نظام الملالي باندلاع الحرب في المنطقة، فضلاً عن أن الإجراءات النووية التصعيدية التي سوف تتخذها في الفترة القادمة من شأنها عرقلة جهود التسوية وتصعيد حدة التوتر بين الطرفين، هذا ما أكده تقرير صدر حديثاً لمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة بالعاصمة الإماراتية أبوظبي. واضاف التقرير لا يبدو أن الهدف الأساسي الذي سعت إيران إلى تحقيقه عبر إسقاط طائرة الاستطلاع الأميركية يكمن فقط في منعها من انتهاك مجالها الجوي، وهو المبرر الذي ما زال يثير جدلاً واسعًا بعد أن أكدت الولاياتالمتحدة الأميركية أن الطائرة كانت تحلق في الأجواء الدولية وبعد أن قامت إيران بعرض حطام قالت أنه يعود إلى الطائرة، وهذا يعتبر تحديا جديا وإحراجا للولايات المتحدة الأميركية، وإنما ثمة أهداف أخرى سعت إيران إلى تحقيقها من خلال تقييم ردود الفعل الأميركية، حيث لا ينفصل التصعيد الإيراني الجديد عن ما جرى في الفترة الماضية من عمليات تخريبية طالت سفن شحن وناقلات في منطقة الخليج. إذ يبدو أن إيران تحاول في هذا السياق استشراف الخيارات التي يمكن أن تستند إليها واشنطن للرد عليها، وبمعنى أدق، فإن إيران سعت عبر ذلك إلى اختبار السقف الذي يمكن أن تصل إليه ردود الفعل الأميركية بعد أن أسقطت طائرة الاستطلاع، ومدى إمكانية لجوء إدارة الرئيس الأميركي ترمب إلى الخيار العسكري في التعامل مع إجراءاتها التصعيدية، خاصة أنها مقبلة على اتخاذ خطوات أخرى لتنشيط برنامجها النووي في يوليو القادم، ومن دون شك، فإن ذلك يعود، في قسم منه، إلى الارتباك الذي تتسم به القراءة الإيرانية للمسارات التي يمكن أن تتجه إليها السياسة الأميركية تجاهها، والذي فرضه إصرار واشنطن على تجديد دعوتها باستمرار للتفاوض بموازاة حرصها على رفع مستوى العقوبات التي تفرضها على طهران، مع التلويح باستخدام القوة في بعض الأحيان لمنع الأخيرة من استهداف مصالحها. وأوضح التقرير أنه كان لافتًا أن إسقاط طائرة الاستطلاع لم يكن الخطوة التصعيدية الأولى من نوعها، حيث جاء بعد الاتهامات التي وجهتها وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون"، في 16 يونيو الجاري، إلى حركة الحوثيين وإيران بإسقاط طائرة أميركية مسيرة في اليمن ومحاولة استهداف طائرة أخرى خلال حادث الناقلتين في خليج عمان، حيث قالت القيادة المركزية للقوات المسلحة الأميركية، المسؤولة عن العمليات العسكرية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، في بيان لها أنه "تم إسقاط طائرة أميركية من طراز "MQ-9" وتشير تقديراتنا إلى أن ذلك تم بواسطة صاروخ من نوع "أرض-جو" أطلق من منظومة دفاع تابعة للحوثيين من طراز "SA-6"، مضيفة أن "إطلاق الصاروخ من المنظومة نفذ بمساعدة إيرانية"، وهنا، فإن الرسالة التي تسعى إيران إلى توجيهها هي أن لها دور ونفوذ إقليمي يمكن من خلاله أن ترفع كلفة الإجراءات العقابية المتتالية التي تتخذها واشنطن ضدها. موضحاً التقرير ان إيران تحاول من خلال تلك الخطوة الجديدة الإيحاء بأن استمرار التصعيد المتبادل بينها وبين الولاياتالمتحدة الأميركية من شأنه أن يفرض أزمة دولية طارئة، وهو ما تهدف عبره إلى ممارسة ضغوط مضادة على القوى الدولية المعنية بالأزمة وتداعياتها في المنطقة من أجل التدخل لتقليص حدة التوتر، ورغم أن قوى دولية عديدة تدخلت بالفعل في المرحلة الماضية، وكانت آخرها اليابان، التي قام رئيس وزراءها شينزو آبي بزيارة طهران في الفترة من 12 إلى 14 يونيو الجاري، إلا أن إيران اعتبرت أن الهدف الأساسي من الجهود التي بذلتها تلك القوى كان إقناعها بالاستجابة للدعوات الأميركية لإجراء مفاوضات معها من أجل الوصول إلى اتفاق آخر يستوعب مجمل التحفظات التي تبديها إدارة الرئيس ترمب على الاتفاق النووي الحالي وكانت سببًا في انسحابها منه وإعلانها إعادة فرض عقوبات عليها في 8 مايو 2018، وهنا، فإن إيران تحاول دفع تلك القوى إلى التدخل من أجل إقناع واشنطن، بدلاً من الضغط على طهران، لدفعها إلى إجراء تغيير في سياستها، خاصة فيما يتعلق بتقليص حدة العقوبات التي تفرضها عليها، ومن دون شك، فإن ذلك لا ينفصل عن مساعي دول الترويكا الأوروبية من أجل إنقاذ الاتفاق النووي، الذي قد يواجه تحديات عديدة خلال المرحلة القادمة، خاصة في ظل إصرار إيران على المضى قدمًا في تنفيذ إجراءاتها التصعيدية المرتبطة برفع كمية ما تنتجه من اليورانيوم المخصب بنسبة 3.67 %، ليتجاوز حاجز ال300 كيلو جرام، التي نص عليها الاتفاق النووي. وأختتم التقرير على ضوء ذلك، ربما يمكن القول في النهاية إن إيران حرصت من خلال إسقاط طائرة الاستطلاع على توجيه تحذير إلى المجتمع الدولي من خطورة وصول التوتر الحالي إلى درجة لا يمكن التكهن بالخيارات التي قد يستند إليها الطرفان فيها، على نحو يمكن، في رؤيتها، أن يدفع القوى الدولية إلى التدخل لدى واشنطن من أجل البحث في بدائل أخرى للتعامل مع الخلافات العالقة معها.