لم تكتفِ القيادة بإطلاق برامج الرؤية، بل أوجدت السبل للمتابعة والتقييم، كما أطلقت المشروعات الكبيرة الصناعية والسياحية والترفيهية، وكل ذلك بحاجة إلى عناصر بشرية متعلمة ومنضبطة.. من السهولة بناء ناطحة سحاب خلال أقل من عامين ومثلها بناء الطرق والأسواق المركزية، لكن بناء الإنسان بحاجة إلى عشرات السنين والكثير من المال والجهد والمراقبة من قبل البيت والمدرسة وفي مجالات العمل المختلفة، وقد أدركت القيادة العليا أهمية بناء الإنسان، ولذا أطلقت رؤيتها 2030 ببرامجها الثلاثة عشر، والتي تركز في معظمها على الإنسان بدءاً بالأسرة أساس بناء المجتمع ثم تعليمه وتدريبه وتأمين الرعاية الصحية والسكن وسبل العيش الكريم، وبناء اقتصاد قوي وقوة رادعة وجبهة داخلية موحدة. وحين نمعن في تفاصيل البرامج التي قامت عليها الرؤية مثل برنامج تنمية القدرات البشرية وبرنامج تعزيز الشخصية الوطنية وبرنامج جودة الحياة نجد أنها تعتمد في نجاحها على تطوير التعليم والتدريب وزرع قيم التسامح والوسطية والشفافية والأمانة وحسن أداء العمل وزرع ثقافة احترام الوقت وتشجيع الادخار وتعزيز الانتماء للوطن ومكافحة المخدرات وإيجاد بيئة صحية نظيفة، إلى غير ذلك من الأهداف الكثيرة التي يتضمنها كل برنامج من برامج الرؤية ومبادراتها. ولأن المملكة هي قلب العالم العربي والإسلامي فقد كانت سباقة إلى إطلاق الرؤية ووضع تواريخ محددة لتحقيق برامجها حتى تصبح مثالاً يحتذى في تنميتها وقوتها المتعددة المصادر وأهمها الإنسان المعتز بدينه ووطنه بأسلوب عصري منفتح على العالم. ولم تكتفِ القيادة بإطلاق برامج الرؤية بل أوجدت السبل للمتابعة والتقييم، كما أطلقت المشروعات الكبيرة الصناعية والسياحية والترفيهية وكل ذلك بحاجة إلى عناصر بشرية متعلمة ومنضبطة، وهذا يحتم التركيز على المجالات الآتية: أولاً: التعليم.. هو الأداة بيد الحكومة للتأسيس لجيل مختلف، والمكان المناسب لذلك هو الفصول الدراسية وبقية مرافق المدرسة لزرع القيم وممارسة العادات الجميلة، لكن علينا أن ندرك أن تطوير التعليم مهمة شاقة وطويلة وأصعبها حسن اختيار المعلم وتأهيله ورفع روحه المعنوية، لكن لا نهضة إلا بتعليم مميز، يقول الرئيس السابق لجنوب إفريقيا نيلسون مانديلا: "التعليم هو أمضى سلاح يمكن أن نستخدمه لتغيير العالم"، وفي سباق الدول المتقدمة فيما بينها نجد أنها جعلت التعليم هدفاً استراتيجياً تصرف عليه بسخاء وفي كل مراحله للتأكد من جودة التعليم في جميع المدارس، والمملكة بحاجة إلى الاستمرار في تطوير المدارس الحكومية لتضاهي المدارس العالمية والخاصة، فالعدالة تقتضي أن تكون المدارس الحكومية هي الأفضل ذلك أنها تضم الغالبية من أبناء الشعب، مع التأكد من أن التعليم الإلزامي مطبق لمنع التسرب المبكر من التعليم، ومن أهم مناهج التعليم التي يجب أن نركز عليها التعلم مدى الحياة لتعويد الطلبة على القراءة الحرة وروح الابتكار والتفكير الناقد وممارسة الرياضة لتصبح من المسلمات التي تمارس في مختلف مراحل العمر، والتعليم بحاجة إلى الانفتاح على العالم المتقدم لمواكبة المستجدات ورفع مستوى الجامعات عن طريق توءمة الكليات مع مثيلاتها من الدول المتقدمة. ثانياً: تطبيق الأنظمة ركن أساس لبناء المواطن المنضبط، ومهما أجاد التعليم في زرع القيم والعادات فإن غياب المراقبة والعقاب يعطيان فرصة لغير المنضبطين للإضرار بأنفسهم وبغيرهم كما هو في حوادث الطرق وتدمير البيئة والحياة الفطرية والتعدي على حقوق الآخرين في مختلف المجالات والعبث بالممتلكات العامة، وفي برنامج جودة الحياة نجد أن توفير الحياة الهادئة والصحية وخاصة في المدن المكتظة من أهم أهداف البرنامج، وتطبيق الأنظمة يتطلب زيادة أعداد أفراد الضبط في الميدان، والاستفادة من أنظمة الدول المتقدمة في ذلك. ثالثاً: الأخذ بمبدأ الوقاية هو الحل الأمثل لبناء إنسان سليم في عقله وبدنه لتحقيق أهداف الرؤية، وكلما زاد الصرف على الوقاية قلّ الصرف على علاج الحالات المتقدمة، فالوقاية تعني منع حدوث المرض أو اكتشافه مبكراً، والمدارس من أفضل الأماكن لتطبيق الوقاية والرعاية بشتى أنواعها ومنها مكافحة المخدرات والتدخين والسمنة وغير ذلك مما يؤثر على الفرد والأسرة لاحقاً. وهذا مطلب مهم مع شح الموارد على مستوى العالم وزيادة عدد السكان ومتوسط الأعمار. يقول خبير الجودة في كوريا الجنوبية الدكتور فيكتور شيا: "لا توجد دولة تتحمل إنتاج جيل كامل دون تعليم جيد، فهذا الجيل سيدمر الدولة داخلياً لتتفتت وتفقد وجودها".