الملك وولي العهد يشكران وزير الداخلية بمناسبة تهنئته بالعيد وبنجاح الحج    خادم الحرمين وولي العهد يوجهان برقيتين إلى وزير الداخلية    وزير النقل يقف على مغادرة أول رحلة للحجاج عبر مبادرة «إياب»    العجوة تتصدر المبيعات في مهرجان المدينة ( تمورنا بركة )    حافظ: 251 مليار قروضا بنكية عقارية للأفراد والشركات    الكويت والأردن وأفغانستان وجيبوتي يدينون الاعتداء على حقل الشيبة البترولي    باكستان: مستعدون للرد على أي عدوان    النرويج.. اعتراف «غير رسمي» من منفذ اعتداء المسجد    الأردن تدين الهجوم الإرهابي على حقل الشيبة البترولي    مصادر ل«عكاظ».. لا تعاقدات جديدة في النصر    إصابة 13 شخصًا وإخلاء 80 في حريق فندق بالطائف    برامج لتأهيل معلمات «الطفولة المبكرة» بالطائف    «المؤسس» ضمن قائمة أفضل 150 جامعة عالميا    بين الإنشاد وإبداع المواهب.. « بسمتهم أمل » يُتحفون صيف الباحة    ثقيفُ تِرْعَة    «أدرِكُوهم قبل الرحيل» وَسم نشِط على «تويتر» يحُث على لزوم العُلماء والاستفادة من عِلمهم    قوة وإثارة في مساء ثالث أيام التنشيطية بمهرجان ولي العهد للهجن بالطائف    "المؤسس" ضمن قائمة أفضل 150 جامعة عالميا و3 سعودية في صدارة الترتيب العربي    التعاون يضم لاعب الهلال    وزير النقل يُتابع مغادرة أول رحلة للحجاج عبر «إياب»    خادم الحرمين يوجه برقية شكر لوزير الداخلية بمناسبة تهنئته بعيد الأضحى وبنجاح موسم الحج    وزير الطاقة: حريق حقل الشيبة ناتج عن اعتداء بطائرات درون مفخخة.. وخلف أضراراً محدودة    الأخوان الهليوم.. في ذمة الله    سوق عكاظ .. يَسرُد قصص تاريخ العُظماء العرب وأمجادهم قديماً ويستذكره في الحاضر الأوفياء    تنبيه مهم لسكان 4 مناطق من أتربة وغبار    “الحج” تُوضّح ملابسات “كيس حصى الجمرات” وتُحقق مع المتعهد والمترجم    أغلق 12 ثقباً بالأمعاء.. فريق طبي بمستشفى عفيف يُنقذ مواطناً تعرّض لإطلاق نارٍ مكثف    «أبو عجرم» تُودِّع ضيوف الرحمن بالكتب والهدايا    تعليم عفيف : عودة الإداريين والمُشرفين التربويين إلى أعمالهم غداً    بالفيديو.. ليفربول يتصدر «البريميرليج» بثنائية ماني وفيرمينو    46 قتيلا وانهيار آلاف المنازل والطرق نتيجة السيول التي ضربت السودان    "أرامكو": السيطرة على حريق محدود في أحد مرافق معمل حقل شيبة للغاز    بالفيديو.. أرسنال يواصل انطلاقته بفوز مثير على بيرنلي    حاج سريلانكي: أدعو الله أن يرزق المشرفون على برنامج الملك أجر الحاج نظير ما قدموه لنا    "الحج" تُوضّح ملابسات "كيس حصى الجمرات" وتُحقق مع المتعهد والمترجم    الفيفا يوقف مدرب نيجيريا السابق بسبب "التلاعب في نتائج مباريات"    “الهايكنج” تجربة شيقة ومتكاملة تجمع المغامرة والفائدة والترفيه في “موسم الطائف”    "صحة القصيم" تكشف تفاصيل واقعة إختفاء طفل حديث الولادة فى بريدة    “صحة القصيم” تكشف تفاصيل واقعة إختفاء طفل حديث الولادة فى بريدة    جناح “الجاحظ” جذب اعداداً كبيرة من زوار “سوق عكاظ”    مهرجان تمور بريدة يسلط الضوء على سوسة النخيل الحمراء    الأمير خالد بن سلمان يلتقي رئيس مجلس النواب اليمني    الاتحاد الدولي للاتصالات يسلّط الضوء على الأرقام القياسية للاتصالات في حج هذا العام    تعرف على موعد دخول لائحة الوظائف التعليمية الجديدة حيز التنفيذ    إصابة 13 شخصا في حادث تصادم على طريق "مكة - جدة السريع"    حالة الطقس المتوقعة على كافة مناطق المملكة اليوم السبت 1782019    نقص الحديد في الدم يؤدي إلى 7 مشاكل صحية .. تعرف عليها    شروط استحقاق الإسكان التنموي : أن يكون من مستفيدي الضمان ومسجل في "إسكان" .. وهذا هو مصير الأسر الأشد حاجة    المطلق يشدد على عدم التساهل في قذف المحصن بالزنا أو اللواط .. كبيرة من الكبائر تستلزم الحد    نادي ضمك يرحب بضم السومة والغرافة يفاوضه    التحالف : وحدات الانتقالي وقوات الحزام الأمني تبدأ الانسحاب والعودة إلى مواقعها السابقة في عدن    عملية إنهاء إجراءات الحجاج    خادم الحرمين الشريفين يهنئ رئيسي إندونيسيا والجابون بذكرى الاستقلال                المشهد الأبيض والقيادات الشّابة    رئيس وزراء غينيا يغادر جدة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





إن رحلت عنّا فلست عن قلوبنا براحل
نشر في الرياض يوم 01 - 02 - 2015

ما من مرة كانت واحة العرب مقفرة موحشة إلا ليلة رحيلك، ما من يوم أشرقت فيه شمس بلادنا ذابلة كسيرة وقلوبنا نازفة حزينة ومآقينا يجللها الدمع غزيرًا، إلا الصبح الذي عرفنا فيه أنك مغادر، عبثاً يحاول العقل نزع ألم فراقك من بين ضلوعنا، عبثاً محاولتنا التصديق أننا لن نراك يومًا، محال أن تُمسح ذكراك من أعماقنا، عشر سنين ونحن نستظل بحبك وحنوك وعطفك، فلا غرابة أن بكاك الرجال قبل النساء، وفُجع فيك الصغار فجيعة الثكالى، وذهلت يوم رحيلك الأمهات والنساء، كنت الفلك الكبيرالذي حملك وحملنا، الفلك الذي ملأته تنمية وإنجازًا، كنت فلكًا يتهادى يمخرُ عباب بلادنا الواسعة حباً وحنانًا ونهضةً، امتد عطاؤك إلى خارج حدودنا، رحلت إليهم للأمة الواحدة من خليجها إلى محيطها، وإيلافك ممتدٌ كإيلاف قريش في ترحاله بين الشتاء والصيف، بين الشمال والجنوب، بين الشرق والغرب.
يوم وداعك اجتمعت الأمم كما لم تجتمع من قبل، لقد تراصف الكل في المواكب، وتزاحموا على أبواب قصر اليمامة، اجتمع العرب والمسلمون، ومن اتفق معك ومن اختلف، جاء رجال الثورات وحركات التغيير، ورجال النظام الاستعماري القديم، وعواصم المعسكر الاشتراكي، قادة البلدان الخارجة لتوّها من أتون الحرب الأهلية، أو التي تقف على أبوابها، الجميع كان هناك لوداعك والتعزية بك، الجمع حثّ الخطى إليك، فلاعجب فقد كنت محبوبًا مهابًا حيًا وميتًا، حتى على الذين اختلفوا معك، فقد فرضت احترامك عليهم جميعا، عرفوك زعيمًا وطنياً كبيراً، قضيت سنوات حياتك مكرسًا كلّ جهدك ونبضات قلبك خدمة للقضايا الوطنية والقومية والإنسانية، صامدًا في مواجهة الشدائد والمصائب التي عصفت بالأمة العربية، ثابتًا على مواقفك رغم عواصف المتغيرات . فلقد ظللت ملتصقاً بهموم شعبك وقضايا أمتك، حتى وأنت تقاسي آلام المرض، الذي لم يؤثر في قناعاتك أو يوهن عزيمتك، فبقيت مواكبًا كل حدثٍ ومستجد، فلم تستسلم ولم تلقِ السلاح ولم تغادر الميدان حتى وأنت مريض.
ختاماً «يموت العظماء فلا يندثر منهم إلا العنصر الترابي الذي يرجع إلى أصله، وتبقى معانيهم الحية في الأرض، قوة تحرك، ورابطة تجمع، ونوراً يهدي، وعطراً ينعش، وهذا هو معنى العظمة، ومعنى كون العظمة خلوداً»
الحديث عنك راحلَنا الكبير وفقيدَنا العزيز، حديثٌ يطول ولا ينتهي، ففي الكثير من المحطات والمفاصل والمنعطفات كانت لك مواقف عبّرت عن عمق انتمائك للوطن وللأمة، وعن وعي عميق بمسؤوليتك تجاه وطنك، وقضايا الأمة العربية، متسلحَا دوما بإيمان عميق، وبالوعي والشجاعة، وبالوضوح والصراحة، وبالإقدام دون تردد أو حساب إلا لما تمليه مصلحة الوطن والأمة.
ها أنت ترحل عنا اليوم جسدًا، لكن إباء روحك انتقل إلى أبناء شعبك الذين أحببتهم فأحبوك، ولسوف تظل روحك ومواقفك محفوظةً في صدورهم وقلوبهم شعلة حبّ لا تنطفئ. سلامٌ عليك إذن في مرقدك الأخير أيها الشهمُ النبيل، وستبقى ساكنا فينا طويلا طويلا.
لقد تحدث كثيرون عن مناقبك، وما تمتعت به من سموّ وإخلاص في خدمة القضايا الوطنية التي تأسس الكثير منها على يديك.
أما على الصعيد الخارجي، فهل أتحدث عن مبادرة السلام العربية التي أطلقتها في القمة العربية في بيروت 2002، ونالت تأييدًا عربيًا لإنشاء دولة فلسطينية معترف بها دوليًا على حدود 1967، أم أتحدث عن زيارتك لبنان يوم 30 يوليو 2010 وبشارالأسد معا لتخفيف التوتر السياسي، ومعالجة الأزمة الناشئة عن موقف حزب الله من المحكمة الدولية، أم أتحدث عن مبادرة الحوار بين الأديان السماوية التي أطلقتها في 14 مارس 2008، وبعد أقل من 5 أشهر على زيارتك التاريخية للفاتيكان، لتكون أول ملك سعودي يزور ذلك المكان المقدس عند المسيحيين الكاثوليك في العالم، أم أتحدث عن رعايتك الكثير من المصالحات العربية على مدار سنوات حكمك، كتوقيع معاهدة الصلح بين أطراف القيادات العراقية (سنة وشيعة) في أكتوبر 2006 في لقاء تركز على محاولة جمع شتات تلك القيادات لتوحيد الصف ونبذ الخلافات الطائفية والسياسية، ورعايتك اجتماع الفصائل الفلسطينية لمواجهة الاقتتال الفلسطيني الداخلي في فبراير 2007، كذلك أطول وأعمق خلاف تشهده دول مجلس التعاون الخليجي في تاريخها، الذي استمر ثمانية أشهر، وانتهى بمبادرة منك قبل نهاية عام 2014، وفي 20 ديسمبرمنه، أعلن الديوان الملكي أن قطر ومصر استجابتا لمبادرتك للصلح، أم أتحدث عن وقوفك إلى جانب مصر ودعم استقرارها وفرص ازدهارها، وتوجيه رسائل غضب واضحة إلى أمريكا ودول الغرب لوقوفها ضد الثورة المصرية وانحيازها لدويلة الإخوان، أم أتحدث عن إنشائك مركزاً دولياً لمكافحة الإرهاب، في المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب الذي عقد في مدينة الرياض في فبراير 2005، أم أتحدث عن رفض قبول عضوية مجلس الأمن "حتى يتم إصلاحه وتمكينه فعلياً وعملياً من أداء واجباته وتحمل مسؤولياته في الحفاظ على الأمن والسلم العالميين"، ما اعتبر خطوة غير مسبوقة في تاريخ تلك المؤسسة الدولية، قوبلت بالاحترام والتقدير من جميع الدول، وكان قد سبق ذلك رفض الأمير سعود الفيصل إلقاء كلمته أمام الجمعية العامة للامم المتحدة، احتجاجا على ازدواجية المعايير فيها، أم أتحدث عن حرصك على الهوية العربية، بما هي هوية جامعة، كما جاء في " إعلان الرياض" الصادر عن القمة العربية في مارس2007، ولذلك الإعلان أهمية استثنائية في تاريخ التفكير العربي الحديث، إذ قدَّم نظرة جديدة إلى العروبة، بصفتها "رابطة ثقافية " لا عصبية قومية، تحترم وجود " التنوع والتعدد والخصوصيات" في مكوّناتها، وتُعلي من شأن " التسامح والاعتدال والحوار وحقوق الإنسان "، كما تنحاز بلا تردُّد إلى فكرة السلام، والحيلولة دون اختراق هذه الهوية بالتحول من هويات وطنية إلى هويات دينية مذهبية كما يفعل الإخوان، وتفعل إيران في العراق ولبنان وسورية واليمن، وحتى لا يتحول الوطن العربي إلى محميات سياسية في دوائر قرار دول غير عربية، كطهران التي تحاول أن يمتد نفوذها إلى خارج حدودها الجغرافية، بتثبيت أقدامها في الدول العربية آنفة الذكر، عبر ميليشاتها، هذا عدا عن عقد تحالفات جديدة بين كل من أمريكا وتركيا وايران للسيطرة على المنطقة العربية برمتها، بالتعاون مع إسرائيل.
كل هذا وغيره كثير رسمك علامة فارقة في عالمنا العربي،لأنك رجل تاريخي، جئت في ظروف تاريخية، فاتخذت قرارات تاريخية لم يكن لغيرك أن يتخذها، ما مثّل قيمة بالغة في إطار العمل العربي حفاظًا على وحدة الهدف والمصير، وإسهامًا في تقريب وجهات النظر العربية مع دول العالم.
لقد خسرنا برحيلك وغيابك قائدًا فذًا وأبًا حنونًا، وخسرت أمتنا العربية بفقدك - وهي تعيش أسوأ مراحل تاريخها - مناضلاً يحمل في فكره وقلبه وعقله شعورًا قوميًا، وانتماء لا يتزعزع، وحسًا إنسانياً مرهفًا، وإيمانًا عميقاً بعروبته . فقدناك في ظروف صعبة وخطيرة أشد ما نحتاج فيها إلى رجال وقادة مثلك، وعزاؤنا في رحيلك في خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز - حفظه الله - وفي رجاله المخلصين، وإذا كنا نشعر بمرارة الفجيعة لهذا الرحيل، فإننا نجد في إرثك ما يجعلك معنا في كل لحظة، ونحن نستمتع بمنجزاتك ونستظل بظلها.
ختامًا "يموت العظماء فلا يندثر منهم إلا العنصر الترابي الذي يرجع إلى أصله، وتبقى معانيهم الحية في الأرض، قوة تحرك، ورابطة تجمع، ونورًا يهدي، وعطرًا ينعش، وهذا هو معنى العظمة، ومعنى كون العظمة خلودًا "..
نَمْ هادئا فالشعبُ بعدك راشدٌ
يختطُ نهجكَ في الهُدى ويسيرُ
لا تخشَ ضيعةَ ما تركتَ لنا سدىً
فالوارثون لما تركتَ كثيرُ
فنم قرير العين أيها الراحلُ الكبير، وليكن مثواك إلى جانب الصديقين والشهداء والصالحين، وحسُنَ أولئك رفيقا . وصدق الله العظيم القائل: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ).


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.