جولة الأمير عبدالله ولقاءاته في فرنساوأمريكا في شهر ربيع الأول سنة ست وعشرين وأربعمائة بعد الألف من الهجرة النبوية الشريفة، والتي نتج عنها البيان المشترك التاريخي مع قطب القوة والسياسة الأوحد في عالم اليوم الولاياتالمتحدةالأمريكية.. هذه الزيارة يجب ألا تمر هكذا فإن الأمير عبدالله في الحقيقة لا يمثِّل نفسه، وإنما يمثِّل دولة هي اليوم في مقدمة دول العالم الإسلامي، بل إن العالم الغربي بقيادة أمريكا يرى في المملكة أنها مفتاح دول العالم الإسلامي وقلبه النابض، وشرايينه التي تتدفَّق منها الدماء الحية، والعمود الفقري، إذ إن المملكة من الناحية الدينية، لها قصب السبق بما تفضَّل الله سبحانه وتعالى به عليها، من كونها تضم الحرمين الشريفين بين جنباتها، ويتشرَّف قادتها وشعبها بخدمة مسجد الكعبة الشريفة، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، والمملكة من الناحية الاقتصادية تتقدَّم دول العالم في النفط إنتاجاً واحتياطاً، فهي محرك أقوى الاقتصاد في عالم اليوم، ومن حيث الموقع الجغرافي، هي جزيرة العرب التي لا يخفى على أحد إستراتيجية موقعها وأهميتها العالمية، ومن حيث الشعوب فشعبها تُعتبر قبائله من أشهر قبائل العرب وأشجعها وأنسبها كيف لا، ومنهم بُعث سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، الذي هو أفضل العالمين نفساً ونسباً.. وأما من حيث طبيعتها، وهوائها وجبالها وصحاريها ومياهها، فحدِّث ولا حرج عن جمالها، وبديع صنع الخالق سبحانه وتعالى. وبالنظر إلى مجمل خصائصها، لا ريب أنها في مقدمة دول العالم العربي والإسلامي، ولا شك أن سعي القطب الأوحد الدولة العظمى أمريكا لكسب صداقة المملكة، وتحسين العلاقة معها مكسب كبير للعالم الإسلامي والعربي، والعالم الغربي بصفة عامة.. ولكلا الدولتين بصفة خاصة.. وأن ما تحقق على يد الأمير عبدالله في هذا اللقاء التاريخي من معاهدات سلام، واتفاقيات مصالح محلية وعربية وإسلامية وعالمية، لهو دليل على ما يتمتع به من العقل والسياسة والحكمة والرؤية والشجاعة، وعندما نرجع إلى أحكام الشريعة المطهرة فيما يتعلَّق بالعلاقة مع غير المسلمين، نجد أنه يجوز لأهل الإسلام أن تكون بينهم وبين غير المسلمين - غير الحربيين - مصالح مشتركة ومعاهدات سِلم تعود بالنفع على المسلمين، بل ويحل بها الأمن والاستقرار، لأنه ليس من مقاصد الإسلام قيام الحروب، ولا الاضطهاد والقتل والإفساد، فمعاذ الله أن يكون ذلك من شرعه، وهو سبحانه الذي أخبر عن نفسه أنه لا يحب الفساد، ولكن من أعظم مقاصد الشريعة حفظ الدين وإعزازه وحفظ الدماء والأموال والأعراض.. وإذا كانت تلك المعاهدات مع غيرالمسلمين فيها حفظ لهذه المقاصد، فهذا مما اعتبرته شريعة الإسلام.. وسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم واضحة في ذلك، وأن ولي العهد - حفظه الله - بفضل الله سبحانه تجاوز محناً كبيرة، سواء ما كان منها من الأعمال الإجرامية القبيحة على يد تلك الفئة الضالة المنحرفة المفسدة، وما أحدثوه في مملكة الخير والسلام ومنطلق الإسلام، أو ما يمر بالعالم العربي والإسلامي من تلك الأحداث المفجعة المحزنة سواء في العراق، أو فلسطين، او ما حدث في لبنان، وما طال بلاد الشام في أحداث متسارعة كادت أن تعصف بعلاقات الجيرة والأخوة والقرابة بين لبنان والشام، أو بين اللبنانيين أنفسهم. إن صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، وما يتمتع به من شجاعة وحكمة ودراية، وقبل ذلك توفيق الله سبحانه له، ثم شخصيته المقبولة بين دول العالم أجمع، جعلت منه ورقة رابحة ومكسباً كبيراً لإطفاء كثير من الفتن في تلك البلدان وإعادة علاقات الود والمحبة بين قادتها وأهلها. يجب ألا يُنسى لهذا الأمير النبيل هذا الفضل.. يجب أن يذكره التاريخ، وتذكره الأجيال، أما شعب المملكة ففضله عليهم أشهر من أن يُذكر، وأكبر من أن يُسطَّر، ولا أظن أن شعباً عريقاً أصيلاً متديناً ينسى مواقف هذا القائد الشجاع.. فبفضل الله سبحانه، ثم بحكمة هذا الأمير وشجاعته تجاوز محنة، تُعتبر من أخطر المنعطفات في تاريخ المملكة الحديث، وأما الشعوب العربية والإسلامية فبدينها وعروبتها وأخلاقها، لا أظنها تتنكَّر لجميل هذا القائد، وإحسانه إلى أمته، ومواقفه النبيلة العظيمة التي يدين الله سبحانه وتعالى بها، ليحافظ على الإسلام والعقيدة والدعوة في ثوب الصفاء والنقاء والصدق، ولتبقى علاقات أمة الإسلام وروابطها متينة قوية، وأما بقية الشعوب فإنه سعى في إطفاء كثير من الفتن والتأليف بين أمة الإسلام، والأمم الأخرى، ورفع راية السلام بين شعوب العالم، ليبقى العقل والحوار هو المهيمن على علاقات هذه الأمم، وينزع فتيل شرر الإرهاب، الذي هو نار العداوة والبغضاء وطريق المجازر والدماء.. فنسأله سبحانه أن يحفظ سموه، ويمده بعونه وتوفيقه. (*) عضو الدعوة والإرشاد بوزارة الشؤون الإسلامية مدير إدارة شؤون المساجد بمنطقة الرياض