ميليشيا الحوثي تستهدف أنبوب صافر النفطي في مأرب    كورونا حول العالم: الإصابات فوق المليون و200 ألف    "الصحة": تسجيل 191 حالة جديدة بفيروس كورونا    "الأرصاد": سحب رعدية ممطرة ورياح نشطة على 9 مناطق    عم رجل المرور العتيبي يكشف كيف وقع حادث الدهس الذي تسبب في وفاته    بالفيديو.. فيديو طريف لطفل صغير يوجه رسالة عفوية لمن يجلبون حلاقين للمنازل    بالفيديو.. الأمير بدر بن عبدالمحسن يروي سبب علاقته الخاصة بجدته.. ومشاعره لحظة وفاتها    استشهاد جندي في الحد الجنوبي.. ونائب أمير جازان ينقل تعازي القيادة لذويه    بالفيديو.. “الصحة”: المملكة مُتميزة في التحكم بإصابات “كورونا”.. وهكذا يتلاشى خروج الوضع عن السيطرة    خبير مصرفي: لا زيادة في التحويلات المالية بعد أزمة «كورونا»    فضائح فيفا: وفاة الرئيس السابق لهندوراس عن 76 عاماً    «التجارة»: خدمة 84 ألف عميل وتنفيذ 69 ألف عملية إلكترونية    الصين تعلن 30 حالة إصابة مؤكدة جديدة بفيروس كورونا                الدفاع المدني يدشن حملة لتوعية الأسر            بتحمل الدولة 60% من رواتب السعوديين في القطاع الخاص    تفاعلاً مع تغريدات حساب الهلال    فاجأ الوسط الرياضي بطريقته الغريبة    يتدرب ساعتين يومياً بالمنزل    قيادة حكيمة وإدارة رائدة عالميا وقوافل خير وعطاء    اتحاد القدم يثقف المدربين ب«أوسكار»    سقوط القيم أمام الأزمة    الوهم الإيراني    لاستبدالهم بموالين..الحوثي ينقلب على«المؤتمريين»    القطاع الخاص لن ينهار بعد مبادرات مؤسسة النقد    عزل 6 أحياء بجدة.. «الداخلية»: لحمايتكم.. استشعروا المسؤولية    «عظيمة» بشهادة الغير    الملك المرابط على ثغر الفايروس !    هل نستطيع أن نتغير ؟!    لولوة آل خليفة.. بلسم آلام المحرومين والمحتاجين    عن جائحة «كورونا».. ماذا قالت «جارة القمر» ؟    عقود الزواج    تعليق العقود في زمن كورونا    «إنسانية وطن» لتوعية المقيمين والمخالفين ب 8 لغات عالمية    الحقيقة لا تغطى بغربال    رابطة اللاعبين المحترفين تحذر من تقليص رواتب لاعبي الدوري الإنجليزي    الشاب الذي هز العالم    «ويفا» يخشى أن تلحق إنجلترا وإيطاليا ببلجيكا وتلغيا مسابقتيهما    متوفى على عربة مكشوفة.. يستنفر السلطات المصرية    رويبضات الأزمات!!    احذروا التافهين..!!    طمأنة موظفي القطاع الخاص    من يتغير.. «نحن» أم «هم»..؟!    كلنا أغنياء.. فلندعم خير حبيبتي    التخفيف.. من رسائل التخويف!    أمراء ووزراء: خادم الحرمين وفر الاستقرار الوظيفي للسعوديين بالقطاع الخاص    لفتة كريمة    إعلام وعلاقات جامعة الملك خالد تقدم دورة "دور العلاقات العامة في مواجهة الأزمات"    النيابة العامة تعلق على واقعة الاعتداء على رجل أمن أثناء مباشرته مهامه    بالصور .. حادث اصطدام مروع بين 3 مركبات تقل عددا من مرابطين الحد الجنوبي وفريق التوعية يتدخل لإنقاذ المصابين    "العدل" توجه بإزالة لقب "دكتور" من وصف القضاة وتوضح الأسباب    "البيئة" تودع أكثر من 110 ملايين ريال دعمًا لصغار مربي الماشية    بالصور .. دفن طفل مسلم أصيب بكورونا في بريطانيا وأهله يحضرون جنازته عبر الهواتف    أنامل على أوتار الخيال    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.






نشر في الجزيرة يوم 22 - 02 - 2020

في الأبيات المشهورة التي شكا فيها المهجو الشاعر النجاشي إلى عمر بن الخطاب، يقول:
قبيلة لا يغدرون بذمة
ولا يظلمون الناس حبة خردل
ويقول الشاعر الآخر وهو من شعراء الحماسة:
لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد
ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
فالظلم والشر في هذين البيتين، يمثلان قيمة عالية تعطي من يتسم بهما فخراً ومنزلة، وليس من الصعب فهم القيمة الاجتماعية وراء هذه الرؤية، ذلك أن الثنائية تعني التقابل بين الظالم والمظلوم، فإن لم تكن ظالماً فأنت حتماً مظلوم كما قال زهير:
ومن لا يظلم الناس يظلم
وحين تكون مظلوماً فأنت ضعيف مستضعف، لا تستطيع أن ترد الظلم عنك، ومن هنا فإن الظلم هنا ليس دليلاً على الطغيان والفساد، وإنما هو وجه من وجوه السيادة والعزة والمنعة التي تعني أن الإنسان في الطبقة العليا من المجتمع بوصفه قادراً على الظلم وإيقاع الأذى بالآخرين، وتحويلهم إلى مظلومين مستضعفين، عوضاً عن أن يكون واقعاً تحت طائلة الظلم.
وقد جاء الظلم بوصفه مرتبطاً بالسيادة في الحديث المنسوب إلى الزبرقان ابن بدر حين ذكر أنه سيد تميم ثم قال: «آخذ لهم بحقهم، وأمنعهم من الظلم»، فالمنع من الظلم هنا هو الوجه الآخر للظلم لأنه يدل على أنه ليس مظلوماً بحال لكنه لا يستطيع أن يفتخر بالظلم لأنه في حضرة الرسول فجاء حديثه عن منع الظلم عن قومه لا ظلمه لهم بوصفه الدليل على عزته وسيادته.
فالوظيفة الدلالية الاجتماعية للظلم واحدة إنما الذي اختلف هو توظيف هذه الأداة من أن تكون للإيقاع بالآخرين لأن تكون للدفاع عنهم، وهو اختلاف نلمسه في موقف الصحابة عندما قال الرسول: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً. وهو القول المعروف، فجاء السؤال عن نصرته مظلوماً فكيف ينصره ظالماً؟
لكن الأمر لم ينته عند هذا المبدأ الأصلي، إذ إن الظلم إذا كان دليلاً على السيادة والمنعة، فإنه بوصفه قيمة مستقلة يؤدي إلى السيادة، بمعنى أن من يظلم الناس إذا لم يجد من يردعه ويوقفه عند حده يصبح سيداً فيهم تخاف سطوته، ويحذر جنابه.
وهذه الصفات (خوف السطوة وحذر الجناب) من الصفات التي ينبغي أن تكون في الحاكم، وهو المسوغ الذي يجعل جواب فقيه العرب في المقامة الطيبية مقبولاً حين سأله الفتى فيها: هل يجوز أن يكون الحاكم ظالماً؟ قال: نعم إذا كان عالماً.
فليس من مبرر على وجه الحقيقة للإفتاء بجواز ظلم الحاكم، وقبول السامعين لهذا الحكم إلا لأنه حاكم ينبغي أن تتحقق سيادته، فتخاف سطوته، ويرهب جنابه، وإلا فلا مبرر لذلك، وقد أخذ المتلقون هذا الجواب على أساس هذا البيان خاصة مع وجود الشرط بعلم الحاكم.
وهو الذي يتناسب مع المقدمة الجزلة الموطئة لهذا السؤال، حين قدم الرجل نفسه على أنه «فقيه العرب العرباء وأعلم من تحت الجرباء»، يدعو الحاضرين للسؤال عن المعضلات، وعلى هذا فإن هذا السؤال بالصورة التي جاء عليها الجواب يتناسب مع المعضلات التي رغب الفقيه باستقبالها، وينبغي أن تعرض على فقيه العرب.
هذا الجواب هو المستوى الأول لسؤال الفتى، وهو لم يبين المعنى للحاضرين، ولا استفسر أيضاً الحاضرون عما وراء هذا السؤال والجواب، وكأن الحقيقة لا تهم ما دام قد أفتى المفتى وأقره السائل.
بيد أننا لا نلبث في خضم هذا السؤال العويص والجواب الأكثر عمقاً وحكمة مما يليق بفقيه العرب أن نتكشف حقيقة الأمر، فالفقيه ليس سوى أبي زيد السروجي المكدي المحتال الذي لا صلة له بالسيادة ولا شئون الحكم أو أحكام السلطان، ولذا ينبغي أن يكون الجواب على قدره، وهو ما كشفه صاحبه الحارث بن همام حين خلا به، وألح عليه أن يخبره بما وراء هذه الأجوبة المحيرة، فيستبين أن «الظالم» هنا هو الذي يشرب الحليب على الريق صباحاً، وأن ربطه بالحاكم نوع من العبث الصبياني الذي يليق بالفتى السائل وبأبي زيد السروجي، وكأنها مجموعة من غرائب المسائل يجمعها بعض صبية المتعلمين المحبين لمماحكات الشيوخ، وإحراجهم، يتقصونها في بطون الكتب، ولا تدل على شيء، وهنا نعيد معرفة أبي زيد لها إلى المثل القديم وافق شن طبقه. لكنه لا يغير من حقيقة ارتباط «الظلم» بالمخيلة العربية بالسيادة بوصفه واحداً من أدواتها.
لكن الذي ليس في المخيال العربي هو أن السيادة لا صلة لها بالظلم، ولا الطغيان، وإنما هي بإقامة النظام القائم وحفظ الحقوق والحدود القائم على العدل، فبهذه العناصر ستتحقق السيادة بوصفها نتيجة، وتحصيل حاصل تنغرس بالنفوس بهيبة الحق لا بهيبة السطوة والصولة والنفوذ وبسط اليد.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.