النفط يرتفع مع تعطل إمدادات الشرق الأوسط وسط الأزمة الإيرانية    الائتمان المصرفي يسجّل 3.3 تريليونات ريال بنهاية 2025    صحفيو مكة يحتفون بالإفطار الرمضاني من أعلى إطلالة بالعالم    وكالة الطاقة الذرية تؤكد عدم رصد أي تسرب إشعاعي من المنشآت الإيرانية    وزارة الحج والعمرة: بدء مرحلة حجز باقات حج 1447ه للحجاج من داخل السعودية    الاحتلال الإسرائيلي يغلق المسجد الأقصى لليوم الخامس على التوالي    الصين تحقق اختراقا في الاتصال بالليزر بين الأقمار الاصطناعية والأرض في المدار العالي    ضبط المخالفات المرتبطة بممارسة نشاط «الكدادة» .. الهيئة العامة للنقل ترصد 25 ألف مخالفة    أرامكو تقود ارتفاعات السوق    مجمع صناعي للزيتون بالجوف    السعودية.. صوت الحكمة والاتزان    شراكة إستراتيجية لتعزيز جهود صون النمر العربي    أكد تسخير الإمكانات للمحافظة على سلامة الجميع.. وزير الداخلية: توجيهات كريمة بتعزيز الأمن والاستقرار    ثمن وقوف قادة الدول الشقيقة والصديقة ضد الاعتداءات.. مجلس الوزراء: السعودية ستتخذ الإجراءات اللازمة للذود عن أمنها وأراضيها    استهدفت قيادات في حزب الله.. إسرائيل تجدد غاراتها على ضاحية بيروت    جهاز أمن الدولة القطري يلقي القبض على خليتين تتبعان للحرس الثوري الإيراني    طائرة رونالدو غادرت إلى مدريد    السعودية الأقرب للاستضافة.. الآسيوي يتجه لإقامة ثمن نهائي النخبة من مباراة واحدة    ميلان يسعى للتعاقد مع نجم القادسية    مجلس الوزراء برئاسة ولي العهد: السعودية ستتخذ الإجراءات اللازمة للذود عن أمنها وأراضيها    تركية تقتل والدها بعد مناوشة كلامية    تعليق الدراسة الحضورية في مدارس تعليم الشرقية وعسير اليوم الأربعاء    حي جميل.. تجارب تراثية وأنشطة تفاعلية فنية وثقافية    الإعلام الرياضي بين رسالة الأمس وضجيج اليوم    خصومة أدبية بسبب كتاب مُهدى    إصدار وثيقة مبادئ حوكمة لتعزيز كفاءة الأوقاف    استشاري يحذر من «سكري الدماغ»    مذكرة تفاهم لإنتاج منتجات عطرية مستوحاة من الطبيعة    احتفاء سعودي باليوم العالمي للحياة الفطرية 2026    الخيار الاستراتيجي    1100 كشاف يقدّمون خدماتهم للمعتمرين والزوار بالحرمين الشريفين ضمن منظومة مؤسسية متكاملة في رمضان    العطاء يصنع الحياة!    أمطار خير على الرياض والشرقية    أخضر التايكوندو يطوي صفحة الإعداد ويستعد لتحدي سلوفينيا وهولندا    مباريات حماسية في بطولة أكاديمية قمم الرياضية بخميس مشيط برعاية "الرأي"    نونيز على مفترق طرق داخل الهلال    "ليالي الدرعية" تقدم تجربة رمضانية ثرية    "الحداية" موروث يتغنى ل"القيم" ويصنع بهجة الاحتفال    حكايات الأمومة حين تصنع النجاح    مستقبل أربيلوا مع ريال مدريد في مهب الريح    نفحات رمضانية    وهل أتاك آخِر أنبائهم    الفتح يجدد لمدافعه الجري لثلاثة مواسم    بتوجيه وزير الشؤون الإسلامية… خطبة الجمعة عن شكر نعمة الأمن والتحذير من الشائعات    "الأرصاد" ينبه من أمطار على منطقة الرياض    الاستشراف فن الطرح العميق للأسئلة    5 أهداف إستراتيجية لتعزيز منظومة الأمن الغذائي    الذوق خلق الرقي وميزان الإنسانية    أدوات التقييم اللحظي لأداء الطلبة داخل الفصول    الأمير فواز بن سلطان يشهد فعاليات اليوم العالمي للدفاع المدني بالطائف    السعودية تعرب عن رفضها وإدانتها للهجوم الإيراني الذي استهدف مبنى السفارة الأمريكية في الرياض    رابطة العالم الإسلامي تُعزِّي الكويت إثر استشهاد اثنين من منسوبي الجيش    جراحة نادرة بالعمود الفقري تُعيد القدرة على المشي ل«سبعينية» بمستشفى الدكتور سليمان الحبيب بالريان    مقترحات قابلة للتنفيذ    «طبية» جامعة الملك سعود: شرب الماء والمشي يعززان صحة القلب    أبرز الإخفاقات الطبية «2»    الجيش الكويتي ينعى أحد منتسبي القوة البحرية    وزارة الداخلية: الأوضاع الأمنية في السعودية مطمئنة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الأدب والتقاطعات الثقافية (4/3)
باحثون
نشر في الجزيرة يوم 07 - 04 - 2018

المثال الأول نأخذه من الأفعال الدالة على الحركة في المكان أو في الفضاء، كفعل أبحر أو شرّق أو غرّب. يكون فعل أبحر مزيدا بحرف من الجذر بحر، وهو يتضمن في الآن نفسه مادة رحل أو سافر ومادة المكان الذي دخله الفاعل شأنه في ذلك شأن أصحر أي دخل الصحراء أو أَتهم أي دخل تهامة. ومن هذه الأفعال ما دلّ كما قلنا على الحركة وخصّص نوع الفضاء: تسلّق- تدحرج- غاص- غرق..., أو الحركة من فضاء إلى آخر: اخترق- اجتاز- مرق.
المثال الثاني نأخذه من الوصف المكاني البصري أو من فضاء الوصف القائم على الإدراك البصري، فصفات المكان التي يدركها البصر أو يُجيل فيها المتكلم النظر، ويحوّلها عبر الفضاء اللغوي والفضاء العاطفي في الدماغ إلى علامات لغوية من خلال الخطاب هي الصفات التي يُحيِّز بها المكان أو يعطي بها معنى لما يراه البصر مكوّنا رئيسا من مكونات الكلام البشري، لذلك عدّ أرسطو المكان إحدى المقولات العشر، فإدراك الموجودات في عامة القضايا التي يصنعها العقل البشري تتقاطع فيه أنساق معرفية مختلفة منها ما يرجع إلى أبعاد مكانية خاصة ومنها ما يعود إلى أبعاد فضائية بصورة عامة، وما تسمية الصرف العربي للمكان والزمان كليهما بالظرف إلا تعبيرا عن التحام المفهومين وتعبيرا عن دور هذين البعدين أو هاتين المقولتين في استيعاب الفكر البشري في وعاء فكري واحد، وما ينتجه من القضايا والتصورات ومن مظاهر الإدراك. فالمكان بهذا التعريف الفلسفي الجمالي هو الإطار الناظم أو المجال الذي يستوعب عمليات التفاعل بين الذات المتكلمة في أي موضوع من موضوعات الحياة والعالم المحيط بها من خلال إدراك اللغة المعبّرة عن المكان. والمكان بهذه النظرة أيضا هو إطار إدراكي أو خطاطة أو بنية ذهنية توجيهية تصاغ فيها المقولات اللغوية المختلفة. ومن هذه الأنساق ما هو مباشر كمقولة اسم المكان: مفعل: مورد- منهل- ملعب..., ومنها ما هو غير مباشر نجده في مظاهر الأفعال، وفي الصفات. وفي هذا المثال نأخذ نماذج تتقاطع فيها فنون التعبير وأشكال الثقافة والجمال من الألوان والظلال والأنوار، ومن الأبعاد الوصفية التي يستمدّها المتكلم وخاصة في الخطاب الأدبي من حقل الجمالية التشكيلية ومن تقنيات استعمال الأضواء في المسرح والسينما: فوصف غرفة بأنها بيضاء أو عالية السقف أو مُشرعة النوافذ والأبواب، أو ساطعة الإنارة، يمكن أن يسهم من حيث الرؤية السردية أو الوصفية في أي نمط من أنماط الخطاب في بناء موضوع (ثيمة) الانفتاح والسعادة والارتياح واتساع الأفق وارتخاء الذات المتلفظة بالوصف، ووضوح الرؤية وألق الأشياء، لأنّ الأبيض من الألوان قد يظهر حجم المكان أكبر وقد يُرينا فضاءاته أوسع، وإذا أُشرِب بالأصفر أو الأخضر أو بالفضي والذهبي من الألوان ازداد إشعاعا وبريقا وشفافية. واللون الأسود أو الغامق عامة يتلاءم والفضاءات المغلقة والضيقة والمنسدّة أو محدودة الشعاع، منكسرة الأفق، ورسم المكابالألوان الظلية الرمادية يوحي بدلالات التردد والغموض والشكّ والتحفظ أو التنازع بين الأبيض والأسود. وفي السياق نفسه يمكن أن نأخذ أمثلة من الوصف المكاني/ السمعي، ويستمدّ المتكلم هذا الوصف من تقاطع بين نوعين من المعارف الثقافية: معارف معجمية غير عالمة، وهي مرتبطة بثقافة إدراك المكان في تاريخ استعمال اللغة التي تسكن ألفاظها أُسَرٌ من الدلالات بينها نسب ومصاهرة، ومرتبطة أيضا بالكفايات التعبيرية في الذاكرة السمعية، (صوت بعيد– رجع الصدى- صوت قريب- صوت فردي- جماعي- صوت حادّ- منخفض- ضخم- رقيق- نسائي- رجالي- طفولي- حيوان بعينه- صوت النقش على النحاس- النسيج...) وهي جميعها ألوان صوتية أو طيف صوتي في الفضاء المحيط بالمتكلم المتفاعل معه في مقام التخاطب أو خارجه. وهذا المعجم ينمو بنموّ التجربة السمعية، ويمكن للتعليم أن يسهم في إثرائه من خلال الاختيارات النصية والصوتية المسجّلة والموجّهة والهادفة إلى إدماج ثقافة المكان في الذاكرة اللغوية والتعبيرية. وأما ثاني المعجمين فهو المعجم الثقافي والأدبي المكتسب بالتعليم وبالمطالعة وبالتواصل بين الأسر الثقافية، وبالانفتاح على جمالية المكان في التجارب التعبيرية حيث تتقاطع النصوص والتجارب والأشكال، ويمكننا في هذا المستوى من التحليل أن نتوسع في تفصيل درجات الطيف الفضائي، لكن هذا السياق لا يسمح بذلك. والحاصل أن الوصف السمعي للمكان شأنه في ذلك شأن الوصف البصري مكوّن رئيس من مكونات المخيال الجمالي عموما والأدبي خصوصا، ويتقاطع الوصف اللغوي في هذا السياق مع حقول معرفية أخرى منها الحقل الموسيقي الذي يبتكر المتخصصون فيه سلّم الأوصاف المستخدمة في الخطاب الواصف للأصوات في مجال الموسيقا والألحان والأناشيد والغناء (القرار- الجواب- الدوائر- البيضاء نصف الدائرة...).
أما المثال الثالث فهو ما يتقاطع فيه الوصف الهندسي واللغة الطبيعية، ويتطور فيه الإدراك البصري واللغوي ليصبح قادرا على استقراء الأشكال وربطها بالمقولات الفيزيائية والرياضية، فإذا كان البيت أو الجدار مائلا إلى الطول فإن الإدراك البصري بالوصف يضيف إلى فعل طال زيادة بثلاثة حروف من فعل استطال ويستعمل اسم الفاعل «مستطيل» أو «مستدير» أو يستعمل الأشكال الهندسية المكتسبة بالثقافة الرياضية كالمثلث، والمربع والمخروطي الشكل، وفي وصف الجغرافيين العرب لشكل الأرض يقولون هي مدوّرة ولكنها ليست صادقة الاستدارة. وفي هذا التقاطع تظهر حاجة اللغة إلى نوع من التراسل المعرفي أو من تعدد التخصصات لفهم الكفايات الإدراكية سواء في التعليم أو في الكتابة الإبداعية أو في النقد.
والمثال الرابع يظهر في الوصف العاطفي أو الرمزي، ولعله أثرى ألوان التلفظ على الإطلاق؛ لأنه يحوّل إدراك الأمكنة إلى علامات ذات قيمة سيميائية. وربما كان الوصف في هذا المستوى أقوى دلالة على ثراء التقاطع الثقافي في الخطاب وعمق الكفاية التواصلية التي تستعمل استعارية الفضاء في التخاطب، لأنه يحتاج إلى ثلاثة أنواع من ثقافة وصف المكان: ثقافة السجلات المكانية ذاتها وتعيينها من جهة، ومن جهة ثانية ثقافة المعاجم العاطفية الملائمة لتفاعل المتكلم وطيف المكان، ونوع ثالث في تلك السجلات المؤثثة للمكان كمعجم النبات والحجارة والتضاريس والمناخات والخصائص المعمارية للأمكنة والكائنات الحية والجامدة عموماً.
*****
للتواصل مع (باحثون)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.