يتوهم بعض الإعلاميين أدواراً ليست لهم، يظنون أنفسهم صنّاعَ الأحداث ومسيِّريها، تصير «أناهم» أكبر من الحدث الذي ينقلونه أو يناقشونه. يُساهم في شيوع هذه الحالة وتفشّيها خروجُ معظم وسائل الإعلام عن الحد الأدنى للمهنية والموضوعية وتحولها مجرد أدوات بأيدي الأنظمة والسياسيين والمموِّلين وأصحاب رؤوس الأموال. ما يزيد طين «الأنا» بلّة، أن بعضاً من الإعلاميين يعتبرون الشهرة سُلّماً يتسلقونه نحو مواقع ومناصب سياسية، وهو اعتبارٌ يوقعهم في فخ تسليف المواقف كدفعات على الحساب. والأنكى أولئك الذين يصيرون ملكيين أكثر من الملك نفسه، ينسون واجبهم القاضي بإسماع أولياء الأمر والنهي الأصواتَ المختلفة والمغايرة، لا ترداد أصواتهم على طريقة الببغاوات والسعادين الراقصة على أبواب السلاطين. الأضواء قاتلة، تُضَخِّم «الأنا» الى حد الانفجار، لذا شهدنا (ونشهد) عبر العقود مصائر بائسة لكثير من المشاهير الذين ينتهون الى انتحار أو عزلة وكآبة، وبعضهم تلتهمه الأضواء نفسها، وبعضهم تلتهمه العتمة بعد خفوت الضوء وانحساره. الأكثر تضرراً على المستويين النفسي والمعنوي مَن لا يجيد التكيف مع التحولات، ولا يستطيع تجديد نفسه وتجربته، ولا يرضى بمقولة: الدهر يومان، يومٌ لك ويومٌ عليك. الواقعي مَن يُعِدُّ العدّةَ ليوم آت عليه لا محالة. العدّة ليست بالضرورة مادية، والقرش الأبيض ليس مالاً وذهباً مكنوزاً، إنها أولاً عدّة ثقافية وفكرية، روحية ونفسية، تُحصِّن صاحبها من تقلّبات الدهر وتحولاته. للإعلامي حقُّ السعي -كأي مواطن- الى تبوأ منصب سياسي أو إداري أو سواه. صفته الإعلامية لا تحجب عنه هذا الحق، ولا تحول بينه وبين مواطَنته وطموحاته المشروعة، المهم ألاّ يُسخّر مهنته ومهنيته في سبيل الطموحات الشخصية، لأنه متى فعل فَقَدَ صدقيتَه، وبات بائعاً وشارياً في سوق نخاسة مقرف. لكن متى تفاقمت «الأنا» وزينت لصاحبها أموراً غير حقيقية وغير واقعية، قادته الى الخراب والتهلكة. ما تعلمْتُه من تجربة شخصية على مدار ثلاثة عقود، بما تضمنَتْه من نجاحات وإخفاقات، إيجابيات وسلبيات، «صوابات» وأخطاء، أن الإعلامي المهني حقاً وحقيقةً، يترك أهواءه الخاصة خارج عتبة الاستديو، ويتجرد قدر المستطاع من الميول التي تمليها الأنا والنزوات الشخصية لمصلحة المهنة نفسها. والأهم -وهذا رأيٌّ يحتمل الخطأ مقدارَ احتماله الصواب- عدم التذاكي على المتلقي المشاهد/ المستمع، ليس فقط لأن الميديا الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي باتت متاحة للجميع، وما عادت «الفهلوة» وألعاب السيرك الإعلامية تنطلي على أحد، بل أولاً لأن الواجب المهني والأخلاقي يحتّم علينا جميعاً احترام عقول الناس الذين نسعى إلى مخاطبتهم ونجهد لإيصال المعلومة اليهم. قد لا يكون الواقع الإعلامي ساراً لكثير من متابعيه، بسبب الشوائب الكبرى التي تعتري أداءه وتتحكم بخلفياته ومنطلقاته، لكن من المهم جداً أن يسعى كل عامل تحت الضوء وأمام الملأ، الى ترويض أناه والحؤول دون تضخمها وتورمها، لأن خطر الأورام النفسية لا يقل أبداً عن مخاطر الأورام السرطانية الخبيثة التي تصيب الجسد الفاني. لا أقلّل أبداً من قيمة العمل الإعلامي وأهميته، لكنني بعد كل تلك السنين، السمان منها والعجاف، تعلمت وأيقنت أنني كإعلامي مجرد وسيط بين المادة الإعلامية -سواء كانت حدثاً أو قضية أو ضيفاً- وبين المشاهد/ المتلقي، الذي له وحده حق القول الفصل. *** يلفت كاتب هذه الزاوية أن لا حساب شخصياً له على موقعَيْ تويتر وفايسبوك وسواهما من مواقع التواصل الاجتماعي، واي أمر يصدر باسمه -عدا المقتطفات الشعرية المأخوذة من دواوينه- لا يعدو كونه مجرد انتحال صفة.