يسود اللبنانيين شعور "فطري" انهم معنيون بكل ما يحصل في العالم. فهم يجدون أنفسهم، صدفة أو عن قصد، وسط كثير من الاحدات التي تحصل في بقاع الأرض، اذ لا يكاد يقع حادث في العالم إلا ويكون بين ضحاياه لبناني او أكثر، ولا تكاد تزدهر تجارة الا ويكون من روادها لبناني او اكثر. ومناسبة الكلام ما يحصل للبنانيين في العراق، أكان ايجاباً لناحية ازدهار تجارتهم في هذا البلد الغني، أم سلباً لناحية ما يتعرضون له من مشاكل تصل أحيانا إلى حد الموت. فاللبنانيون لم يتركوا العراق اصلاً، إذ بقيت منهم فيه جالية تعد مئات على رغم الازمات والحروب. وهم وجدوا أنفسهم معنيين بهذا البلد عندما فرض عليه حصار وأطلقت الأممالمتحدة برنامج "النفط في مقابل الغذاء" واعتمد مرفأ طرابلس شمال لبنان محطة ينقل منها "الغذاء" الى العراقيين براً عبر سورية. ولكن يبدو ان ما كان ينقل من المرفأ لم يكن يقتصر على "الغذاء" من حبوب ومعلبات وحليب وزيوت وسكر وبعض الدواء والمصل فحسب، بل كان يتجاوزه الى المعدات والسيارات. ولا تزال حتى الآن 16 شاحنة حديثة مركونة في احدى باحات مرفأ طرابلس. ويتردد في المدينة انها لعدي حسين، النجل الأكبر للرئيس العراقي المخلوع صدام حسين. وليس معروفاً بعد ما اذا كانت تلك الشاحنات ستنقل الى العراق أو لا او لمن ستنقل، خصوصاً ان عدي قضى مع شقيقه قصي في اشتباك مع القوات الأميركية في الموصل. وكذلك ليس واضحاً ما اذا كان يندرج حلها في اطار المسائل المالية العالقة بين لبنانوالعراق، خصوصاً ما يتردد عن أموال عراقية تقدر بنحو 600 مليون دولار مودعة في مصارف لبنانية وهي تعود إلى البنك المركزي العراقي و"بنك الرافدين" و"بنك الرشيد" وشركة تسويق النفط "سومو"، وعن أموال لتجار لبنانيين عالقة في بغداد. وتقدر المبالغ اللبنانية بنحو 25 مليون دولار، تُمثّل عقوداً ضمن برنامج "النفط مقابل الغذاء"، اضافة الى 50 مليون دولار تعود الى عقود منفّذة منذ الحرب العراقية - الايرانية. لكن هذه الأمور لم تحل بعد على رغم ان لبنانوالعراق شكلا خلال زيارة رئيس الحكومة العراقية الموقتة اياد علاوي لبيروت في تموز يوليو الماضي، "لجنة عليا مشتركة" برئاسة علاوي ونظيره اللبناني رفيق الحريري وعضوية عدد من الوزراء المختصين لتطوير العلاقات بين البلدين. وتقدر الصادرات اللبنانية الى العراق بين العامين 1997 و2002، بنحو بليون و250 مليون دولار، علماً أنها ارتفعت من 370 مليون دولار في 1997 الى 500 مليون دولار في 2002. وتقدر بيانات رسمية التجارة مع العراق منذ عام 1996 بأكثر من 200 مليون دولار، لكن رجال الأعمال اللبنانيين يقولون ان القيمة الحقيقية للعقود تتجاوز بليون دولار. وثمة معلومات تفيد ان السوق العراقية تشكل 80 في المئة من التجارة الخارجية اللبنانية أي ان الصادرات اللبنانية الى العراق توازي الصادرات الى أوروبا. وحسب دراسة أعدتها "شركة التسويق الصناعي"، المسؤولة عن تنظيم المعارض اللبنانية في بغداد، يستفيد من التجارة مع العراق 2040 مصنعاً ومؤسسة في لبنان من مختلف الأحجام، وهي تستفيد أيضاً من إعفاءات تتفاوت بين 30 و50 في المئة. وثمة 100 مصنع ومؤسسة تربطها عقود بالحكومة العراقية في إطار مذكرة التفاهم "النفط في مقابل الغذاء والدواء"، واستثمرت هذه المؤسسات 150 مليون دولار لتوسيع أعمالها في خدمة السوق العراقية. وللتجارة اللبنانية في العراق اسباب أخرى تتعدى حاجة السوق هناك الى الصادرات اللبنانية، اذ دفعت الأزمة الاقتصادية في لبنان ببعض اصحاب المصانع اللبنانيين الى البحث عن مكان تكون فيه كلفة الانتاج أقل مما هي في بلدهم. ومن الأمثلة على ذلك ما قام به رجلا الأعمال اللبنانيان توفيق عبده وانطوان انطون الذي خطف في العراق 13 يوماً وعاد قبل أيام الى لبنان. فعبده وانطون وشريك ثالث لهما، أوقفوا انتاج مصنعهم للألبان والأجبان في لبنان بسبب "عدم تمكننا من منافسة المنتوجات السورية"، حسب ما قال عبده ل"الوسط". وأضاف: "قبل اكثر من 4 سنوات ارتفعت كلفة الانتاج في لبنان حتى بلغ انتاج الكيلو ألف ليرة بينما تبلغ كلفة انتاجه في سورية 500، وبسبب دخول المنتوجات السورية الى لبنان من دون جمرك لم يعد في امكان منتجاتنا منافستها فاضطررنا لوقف الانتاج في لبنان ورحنا ننتج في سورية. وتبين لنا لاحقاً ان الانتاج في العراق ينخفض الى نصف كلفته في سورية، أي ان انتاج الكيلو يكلف 250 ليرة، فانتقلنا منذ 3 سنوات الى العراق وافتتحنا مصنعاً في منطقة اليوسفية ووظفنا نحو 25 عاملاً ورحنا ننتج هناك وننقل المنتوجات بشاحنات مبردة الى لبنان من دون ان نبيع شيئاً في العراق. بقينا على هذه الحال على رغم كل ما شهده العراق، وكان انطون وشريكنا الثالث يتناوبان على الإقامة هناك لادارة المصنع بينما كنت أتولى أنا إدارة الاعمال هنا". لكن ما حصل مع انطون أربك الشركاء وهم الآن لا يعرفون ماذا يفعلون. فأنطون الذي ذهب الى العراق قبل نحو شهرين ليتولى ادارة المصنع، خطف مع سائق شاحنة سوري يدعى عيسى احمد حسين الشيخ عوض. كان انطون وعيسى يبيتان في منزل مجاور للمصنع، وكان مقرراً ان ينطلق عيسى بشاحنته المبردة بحمولة من الاجبان والالبان الى لبنان. لكن دخل عليهما نحو 25 مسلحاً وساقوهما معصوبي العيون بتهمة "التعامل مع الاحتلال الاميركي" بحسب ما قال انطون ل"الوسط" في نقطة العبودية حيث كانت في انتظاره مع ذويه. وروى انطون الذي قال ان 70 في المئة من سكان المنطقة التي يقيم فيها يعرفون ما حصل معه خلال 13 يوماً، وأوضح ان نحو 25 مسلحاً أتوا اليه في منزله قرب المصنع في منطقة اليوسيفية ولم يستطع حراس المعمل مقاومتهم لأنهم جاؤوا مرتدين ملابس الشرطة العراقية الرسمية وفي سياراتها، وساقوه مع عوض الى مكان لم يعرفه و"لا أعرف اذا بقيت في العراق اصلاً". لم يعرف الجهة التي خطفته ولا الاسباب الا بعد نحو 24 ساعة عندما عرّف "المجاهدون" عن انفسهم بأنهم "الجيش الاسلامي العراقي" وألصقوا به تهمة "عميل اميركي". وأشار الى انهم اخضعوه للتحقيق طول تلك الفترة حتى تأكدوا من ان التهمة سيقت ضده زوراً فأخلوه من دون فدية ونقلوه الى مكان خال من السكان و"لم أصدق انني بقيت على قيد الحياة على رغم انني كنت مقتنعاً انهم سيحكمون علي بالعدل والحق". ونفى انطون ان يكون تعرض للتعذيب، موضحاً انهم كانوا يقدمون له الطعام في غرفة كان ينام فيها على الارض "حتى خرجت ولم أرَ وجهوهم". وكان ذوو انطون في لبنان خلال فترة اختطافه، يعملون على خط العشائر لمعرفة هوية خاطفيه حتى ظهرت في المعمل جهة ادعت انه موجود لديها وطلبت فدية 25 ألف دولار. أبلغ العامل الذي التقته تلك الجهة، ذوي انطون بالأمر فأمنوا المال وارسلوه اليه. فأخبر العامل الذين كانوا يفاوضونه ان المال اصبح معه وانه يريد ان يتأكد ان انطون لا يزال حياً، فخط رسالة تتضمن أموراً لا يعرفها سواه انطون واشترط ان يرد عليها ليتأكد انه لا يزال على قيد الحياة. غابت تلك الجهة يومين اطلق خلالهما السائق السوري عيسى فعاد الى المصنع واتصل بذوي انطون قائلاً لهم: ان الخاطفين سيتركونه بعد يومين من دون فدية وانه في حال جيدة. وكان خمسة لبنانيين من سائقي الشاحنات أطلقوا جميعاً خطفوا في العراق بعد يومين من اختطاف انطون. والمخطوفون هم: ناصر وطه الجندي من بلدة خريبة الجندي وخلدون العثمان من بلدة كروم عرب وقاسم مرقباوي من بلدة المحمرة، اضافة الى السوري اسامة منير عيسى. واللافت انهم جميعاً من منطقة الشمال التي زارتها "الوسط" واطلعت على خلفيات اختطافهم ووضع النقل البري من خلال لقائها في نقطة العبودية الحدودية، سائقي شاحنات وبعض وسطاء النقل في طرابلس. طرابلس بعد سقوط بغداد في حزيران يونيو عام 2003 أي بعد نحو شهرين من سقوط بغداد، بدأت حركة النقل البري تكبر من طرابلس في اتجاه بغداد، لتبلغ ذروتها في الخريف الماضي اذ يقدر عدد الشاحنات التي كانت تعبر الحدود يومياً بنحو 300 شاحنة، وهي جزء من أساطيل سورية ولبنانية وأردنية وعراقية. ويقدر بعض وسطاء النقل عدد الشاحنات الاجمالي التي تعمل على هذا الخط بنحو 3500 شاحنة، 3 آلاف منها سورية و250 لبنانية. وهذه الشاحنات تسلك طريق طرابلس - العبودية، فحمص في سورية ومنها تتوزع على ثلاثة معابر الى العراق هي: معبر "البوكمال" الذي يؤدي الى الموصل، و"التنف - الوليد" الذي يؤدي الى بغداد، و"القائم" الى سامراء. وتنقل هذه الشاحنات معظم احتياجات السوق العراقية من المواد الغذائية والخضراوات والمياه المعدنية والمرطبات والادوات المنزلية والصحية ومواد البناء والحديد والخشب والمنازل الجاهزة والمعدات كمولدات الكهرباء وكذلك السيارات المدنية اضافة الى مئات السيارات المخصصة للشرطة العراقية التي نقلت الى بغداد عبر مرفأ بيروت. ويقدر بشير قشوع وهو وسيط نقل، ان 70 في المئة من البضائع التي تنقل الى العراق هي من الاسمنت تنتجها ثلاثة معامل في لبنان، موضحاً ان السوق العراقية تحتاج الى 35 مليون طن من الاسمنت بينما لا تستطيع المعامل اللبنانية ان تنتج أكثر من 16 ألف طن يومياً. وأشار الى ان العراقيين فضلوها بعدما جربوا اصنافاً من دول أخرى. وهذه البضائع التي تنقل الى العراق لم تكن كلها للعراقيين بل كان كثير منها الى القوات الأميركية، خصوصاً المنازل الجاهزة والخشب والمولدات الضخمة والمياه المعدنية والمرطبات. وكان كثير من الشاحنات يوصل البضائع الى معسكرات الأميركيين البالغ عددها 49 معسكراً. وأدت هذه الحركة وازدياد الطلب الى ارتفاع اسعار النقل الى العراق من نحو 16 دولاراً للطن الواحد إلى 36 دولاراً، وكذلك تبلغ كلفة نقل مولد الكهرباء تحمل الشاحنة اثنين نحو 1500 دولار. ويقال ان السائق اللبناني ينال 400 دولار عن كل شحنة علاوة على راتبه الشهري، وكذلك ينال السائق السوري نحو 5 آلاف ليرة سورية. وهذه مداخيل جيدة بالنسبة الى السائقين إذ في امكان كل منهم ان يقوم برحلتين اسبوعياً الى العراق. لكن الحركة والازدهار وانتعاش مئات المؤسسات والعائلات في الشمال اللبناني، لم تبق على حالها. فرجال المقاومة العراقية ادركوا ان كثيراً من الشاحنات الآتية من لبنان تنقل بضائع للأميركيين في معسكراتهم. لذلك خططوا لاستدراج الأميركيين الى الطرق عبر دفعهم الى نقل بضائعهم بآلياتهم ل"يجعلوهم يدفعون الثمن غالياً" بحسب ما قال سائقون ل"الوسط". وقرر المقاومون العراقيون وفق خطتهم، ان يمنعوا سائقي الشاحنات الآتية من لبنان من ذلك، فراحوا يوقفون القوافل على الطريق ويفحصون أوراق الشحنة، ويحذرونهم من ان ينقلوا مرة ثانية بضائع الى الأميركيين. ويقول ابو خالد وهو سائق سوري نقل في شاحنته مولدي كهرباء ان رجال المقاومة العراقية اوقفوه مرة في الطريق وطلبوا منه اوراق الشحنة فوجدوا انها لتاجر عراقي فتركوه يرحل وعاملوه باحترام. ويشير الى ان رجال المقاومة يتأكدون من البضائع فإذا كانت لتجار عراقيين لا يتعرضون للسائقين ويعاملونهم باحترام "فهم يريدون بناء بلدهم"، اما اذا كانت للاميركيين ف"يأخذون السيارة وسائقها وقد لا يعود اذا كان أنُذر". ويبدو ان المقاومين كانوا جادين في تحذيرهم اذ خطفوا السائقين الخمسة بينما كانوا ينقلون مولدات يرجح انها للأميركيين. ويقول بعض السائقين ان "رجال المقاومة يعرفون كل شيء، ويعلمون حمولة كل سيارة والمكان الذي تتوجه اليه منذ دخولها الى الاراضي العراقية"، مرجحين ان "يكون لهم مخبرون في نقاط الحدود". وهم كذلك لا يخدعون بشعارات تدون على المولدات كمثل "شركة الكهرباء العراقية" او ان الشحنة موجهة الى الأممالمتحدة فهم "يعلمون ان هذه الشحنة التي تدون عليها مفردات كهذه تمويهاً، هي للأميركيين". ونجحت خطة المقاومين اذ انخفضت حركة النقل في شكل كبير في الاسابيع الأخيرة، نظراً الى الخوف الذي اصاب السائقين بعدما خطف زملاء لهم وتعرض آخرون الى اطلاق نار على الطريق. ففي ساحة الشيخ عياش على الحدود اللبنانية - السورية، وهي ساحة يركن فيها السائقون شاحناتهم في انتظار الاذن بالمرور، لاحظ أبو حميد وهو صاحب استراحة، انخفاضاً كبيراً في عدد الشاحنات التي تعبر الحدود في الايام الاخيرة الى العراق. والشاحنات التي كانت مركونة لحظة وجود "الوسط" لم تكن تتجاوز ال15 شاحنة وهي تحمل لوحات سورية ولبنانية وعراقية. لكن السائقين يقولون ان ليس كل من يوقف الشاحنات على الطرق هو "مقاوم"، بل يشيرون الى "قطاع طرق" و"سارقين". ويقول السائق جوزيف انه تعرض في احدى الرحلات لقطاع طرق، ضربوه وحطموا زجاج شاحنته وسلبوه 400 دولار، وهذا ما دفعه مع آخرين الى ايصال حمولات الشاحنات الى التنف لتتولى شاحنات عراقية نقلها من هناك