منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران في 28 فبراير 2026، تبدّل ترتيب المشهد الإخباري الدولي على نحوٍ واضح. فلم تعد هذه الحرب مجرد صراع عسكري جديد في الشرق الأوسط، بل صارت هي القضية الأولى التي جذبت الكاميرات، واستأثرت بالتحليلات، وفرضت نفسها على الشاشات والمنصّات طوال الوقت. ويُفسَّر ذلك -إعلاميًّا- بأنّ هذه الحرب جمعت عناصر الجذب الإخباري الكبرى دفعةً واحدة، مثل حدّة التصعيد، وسرعة التطور، واتساع الأثر، وارتباطها المباشر بأسعار النفط وأمن الطاقة والتوازن النووي، فضلًا عن انخراط دولة وازنة فيها مثل الولاياتالمتحدة. ولهذا كلّه، بدا طبيعيًّا أن تُدفَع أخبار ما يتّصل بها إلى صدارة النشرات، وأن تُقرأ تطورات الأوضاع في الإقليم والعالم من خلالها. غير أنّ المسألة لا تقف عند حدود الأهمية المنطقية للحدث، بل تمتد إلى طريقة اشتغال الإعلام نفسه. إذ إن وسائل الإعلام لا تعمل بوصفها مرآة صامتة تعكس كل ما يجري بالوزن نفسه، بل تمارس دورها في "ترتيب الأولويات". وهو مفهوم معروف في دراسات الاتصال، ومفاده أن الإعلام لا يُملي على الناس ماذا يعتقدون، لكنه ينجح إلى حد بعيد في تحديد ما الذي ينبغي أن يشغلهم أولًا. فحين تمنح القنوات والصحف والمنصات حربًا واحدة هذا الحجم من الحضور، فإنها تدفع الجمهور، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى النظر إلى العالم كله من خلالها، وإلى التعامل معها بوصفها "القضية" التي تستحق الاهتمام قبل غيرها. ويزداد هذا الأثر وضوحًا مع آلية حراسة البوابة "Gatekeeping"، وهي العملية التي يختار المحررون والمنتجون عبرها ما الذي ينبغي أن يكون عنوانًا للنشرة أو الصفحة الأولى، وما الذي يُؤجَّل أو يُختصر أو يُستبعَد. لذلك، حين تفرض حرب كبرى نفسها بهذا الزخم، فإنها تسحب من رصيد التغطية المخصص للأزمات الأخرى، مهما كانت جسامتها. وفي عصر التقارب (الاندماج) الإعلامي "Media Convergence"، حيث تتداخل القنوات التلفزيونية مع المواقع الإخبارية ومنصات التواصل والبث المباشر، تتضاعف سرعة هذا الأثر؛ لأن الخوارزميات تميل إلى دفع المحتوى الأكثر اشتعالًا وانتشارًا، فيتكرر ظهوره، ويتسع حضوره، ويزداد رسوخًا في وعي الجمهور. وهذا يعني أن ملفات أخرى، كانت قبل أسابيع تتصدّر الاهتمام، تجد مكانها فجأة في الخلفية. فالسودان، على سبيل المثال، مازال يعيش واحدة من أفدح الكوارث الإنسانية في العالم، (نحو 14 مليون نازح منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 وأكبر أزمة إنسانية مع أشد أزمات الجوع في العالم). لكن هذه المأساة، على ضخامتها، لا تُنافسُ –في التغطيات الإعلامية- حربًا تتّصل بالنفط والخطر النووي والمضائق البحرية والتوازنات الكبرى. وكذلك الحال في أوكرانيا، حيث لم تتوقف الحرب، ولم تتراجع الهجمات المتبادلة بين طرفيها، لكنّ زخم التغطية خفّ نسبيًّا لأن مركز الانتباه تحوّل إلى الشرق الأوسط. وينسحب الأمر ذاته على معاناة الفلسطينيين أيضًا، حيث تراجعت المتابعة رغم استمرار التهديدات الأمنية والمعاناة الإنسانية وعنف المستوطنين. وهذه الظاهرة لا ينبغي أن تُفهَم، على أنها مؤامرة صمت، أو تعمّد إخفاء المآسي الأخرى، بل بوصفها نتيجة شبه مباشرة لمنطق اقتصاد الانتباه "Attention Economy" الطاغي اليوم. فالإعلام التجاري يُدرك أن الجمهور ينجذب إلى الحدث الطارئ المشتعل أكثر من انجذابه إلى الأزمة الطويلة التي لا تحمل عنصر المفاجأة، حتى لو كانت آثارها على البشر أشد قسوة وأعمق إيلامًا. وهذا التفسير، وإن بدا واقعيًّا، لكنه لا يعفي المؤسسات الإعلامية من مسؤوليتها الأخلاقية والمهنية. الخلاصة، لا شك أن الحرب مع إيران تستحق فعلًا اهتمامًا إعلاميًّا استثنائيًّا بسبب آثارها الواسعة ومخاطرها الإقليمية والدولية، لكن الخطأ يبدأ عندما يتحول هذا الاهتمام إلى حجب مآسٍ أخرى لا تقل إلحاحًا. لأن الخلل هنا لا يقتصر على ترتيب الأخبار، بل يمتد إلى ترتيب الإحساس العالمي نفسه، وإلى تحديد من يبقى حاضرًا في الضمير العالمي. * قال ومضى: قال التاريخ: هكذا حال الدول، حين يدنو غروبها لا تؤجله حروبها.