"حين تعلّم الانسان كيف يحوّل مصائبه إلى حكايات، تتقاسمها الآذان والرياح والأزمان، كان يكتشف بلسماً سحرياً للجروح والآلام". هذا ما كتبه سعد الله ونّوس في مسرحيّّته الأخيرة "الأيام المخمورة" "دار المدى" التي تتكاثر فيها الوحشة الضارية، وتنضح بقلق المعرفة وصعوبة القبض على الحقيقة. ففيها يختفي المتفرج المتمرد، ويتراجع هاجس السلطة السياسية ليتقدم تاريخ أشمل يحتضن البشر ويوحدهم، أو يكاد، في مصائر متشابهة. على الرغم من قلق نبيل لازم سعد الله ونّوس من غير انقطاع، كتب الراحل مسرحية مقيّدة معروفة المرجع والوظيفة. وظل الكاتب مخلصاً للقول الذي يذيعه، وإن كان قطار التجربة والعمر حمله إلى اقاليم جديدة. ثم عاش مرضه الطويل فكتب مسرحيات يتعايش فيها قول قديم وآخر كامل الجدة. هجس ونّوس كثيراً في زمن مضى، بمسرحية نوعية تعيد كتابة التاريخ وتكشف عما أغفله المؤرخون، وتأخذ بيد المتفرج إلى آماد الوضوح واليقظة. كأن المسرح مدرسة يدخلها الانسان مشتت الخاطر ومعصوب العينين ليخرج صحيح البصيرة. غير أن مرور السنين، وعناء التجربة، دفعا بالمبدع السوري إلى أرض جديدة، يتأمل فوقها تاريخ المتفرج العربي، قبل أن يتبادل معه الحوار. وفي ذلك الانزياح كان يندد بعالم يتراجع فيه الأنس والإلفة وتتكاثر فيه الوحشة الضارية. ولعل هذا العزوف عن "الركام المتراكم" هو الذي أتاح لعالم الروح أن يحتل مساحة كبيرة في أعمال المرحلة الأخيرة، ومنها "الأيام المخمورة"، آخر مسرحية أصدرها قبل رحيله عن "دار المدى". يكتب ونّوس في "الأيّام المخمورة":"وحين تعلّم الانسان كيف يحوّل مصائبه إلى حكايات، تتقاسمها الآذان والرياح والأزمان، كان يكتشف بلسماً سحرياً للجروح والآلام". ها هو يقوم إذاً بتحويل الآلام إلى حكايات تذريها الرياح على لسان الآخرين، بعد أن كان يرى في النص التاريخي القديم مصدراً موحياً لا غنى عنه، كما نلاحظ في "رأس المملوك جابر" و"الملك هو الملك" وصولاً إلى "منمنمات تاريخية". ولم يكن في سعيه معرضاً عن الحاضر، بل كان يرى في النص القديم مرآة نموذجية لايضاح معنى الحاضر والكشف عن دلالته، بل مرآة متعددة الوجوه تشرح معنى السلطة في جميع الأزمنة، وتتيح للمتفرج أن يقرأ ملامح زمانه في صفحات أزمنة متعددة… وفي كل هذا كان ونوّس يتطلع إلى زمن نوعي غير مسبوق، يعلن عن نهاية مرحلة ويذيع بداية مرحلة انسانية لا شقاء فيها. كان في كتابات ونّوس ما هو قريب، دائماً، من بداية محددة، بقدر ما كان فيها أيضاً نهاية محددة. ففي الصراع بين من يتوق إلى العدالة ومن يمنعها، على الثاني أن يحمل حوائجه ويرحل، وعلى من احتفظ بالغفلة والوعي الضليل أن يقع مهزوماً. أما "الأيّام المخمورة"، فتتحرر من البداية والنهاية المطلوبتين، فكل شيء طليق، يستوي في ذلك القول والطرق المفضية إليه. يختفي المتفرج المتمرد، ويتراجع هاجس السلطة السياسية ليتقدم تاريخ أشمل، ويحتضن البشر جميعاً ويوحدهم، أو يكاد، في مصائر متشابهة. يتأمل ونّوس تاريخه الخاص، ويتأمل ذاته التي عاشت هذا التاريخ. كأن النص يحدّث عن رحلة مزدوجة تعاين تارة مصير المجتمع، وتعاين تارة أخرى الكتابة التي حاولت تغييره. "الأيّام المخمورة" نص كثير الوجوه والأقنعة، تخبر وجوهه المعلنة عن التاريخ الحديث لسورية ولبنان. هذا التاريخ المسكون بالهشاشة والوعي الزائف والحداثة الظاهرية، والقامات الصغيرة والقامات المنيرة التي سقطت شهيدة في 29 أيار 1945، ورحلت مخلّفة الكثير من الحكايات الغائمة والقليل من الدروس الواضحة. أما وجوهه الأخرى فتتوزع على قلق المعرفة، وصعوبة القبض على الحقيقة التي كلما اقتربت أصبحت اكثر بعداً. ولعل صعوبة القبض على الحقيقة هي التي تدفع بالذات الكاتبة إلى مزج التاريخ والحكاية، كما لو كان التاريخ خليطاً من الضباب ونثار الحقائق. ذلك أن الحكاية لا تضيء وجهاً من وجوه التاريخ الاّ لترمي بالظلمة على وجه آخر. وفي لقاء التاريخ والحكاية يجيء قول ونّوس المسرحي متحرراً. فما ينطق به التاريخ الموضوعي تربكه الحكاية التي ترويه، وما تقول به الحكاية المرتبكة يومئ إلى التاريخ ويشير اليه. ويظل التاريخ، في الحالتين، معلّقاً في مكان ما، بعيداً عن اليقين والقراءة الواحدة. يفتش نص سعد الله ونّوس الأخير عن جذور الهشاشة الانسانية، أكانت تلك التي تزامل فرداً قريباً من الكتابة أو بعيداً عنها، أم كانت تلك الملازمة لشعب بأسره. هشاشة فادحة ميلادها عصيّ على التحديد، وانطفاؤها احتمال أو شبيه بالاحتمال. "الأيّام المخمورة" نص يوحي ولا يجيب، يومئ ولا يقول، ويحدث عن مصائر الكتابة قبل أن يصل إلى مواضيعها. يسأل الصبي في المسرحية: "ما الحقيقة"، ويجيب الأراجوز: "إبرة ضاعت في مزبلة". يدرك ونّوس أن الحقيقة موزّعة على سهوب الأرض يغلّفها الضباب، لذا يضعها جانباً، ويكتفي بحوار الذات المتوجعة. شيء من الغناء الحزين يتسلل إلى نص يُسائل الكتابة وتاريخها وموضوعها، وشيء من الشعر يجاور لغة نثرية متألقة. لكأن هواجس الروح المتعبة ضيّقت على القبضة الرخامية القديمة، فارتخت طليقة على مقربة من دفء القلب وعلى مبعدة من برودة المفاهيم .