فوجئت ب "أبو صالح" في صالون منزلي و"فتح" تتحمل مسؤولية "حرب المخيمات" الانتصار الحاسم ممنوع في لبنان. انه قانون اللعبة. وأكدته تجربة الثمانينات. لم يتمكن أي منتصر من توظيف انتصاره على النحو الذي تمناه أو اشتهاه. وهذا يصدق على ولىد جنبلاط بعد "حرب الجبل" في 1983 وعلى نبيه بري بعد 6 شباط 1984 وعلى سمير جعجع بعد اسقاط "الاتفاق الثلاثي" مطلع 1986، طبعاً مع الفارق ان الحرب انتهت بانتصار الفريق المتحالف مع سورية ودفع رموز الفريق الآخر الى خارج النظام او خارج البلاد. لم تكن رحلة نبيه بري سهلة بعد حركة 6 شباط التي غيرت موازين القوى في العاصمة وفي البلاد كلها. وكالعادة كان على المنتصر ان يصطدم بحلفائه. في هذه الحلقة يروي رئيس مجلس النواب اللبناني قصة حروب الحلفاء في شوارع بيروت الغربية وقصة "حرب المخيمات" ومحطات اخرى. وهنا نص الحلقة الثالثة: ألم يكن لسورية دور ميداني في 6 شباط؟ على الاطلاق. في 6 شباط كنت أحاول ايصال خبر الى الاخوة السوريين لأرى هل يمكن ان يرسلوا اليّ أسلحة أم لا. لم تكن هناك مواصلات. وعلى الصعيد السياسي؟ - سياسياً كانت العلاقة مع سورية قائمة دائماً ومستمرة. في تلك الفترة كان الاستاذ وليد جنبلاط مقيماً في دمشق وأعطى اوامره للحركة الوطنية والحزب التقدمي الاشتراكي وقال لهم: انتم بتصرف نبيه بري وهو رئيسكم وقائدكم. هكذا حرفياً. وفي تلك الفترة كنت أعطي امراً للحزب التقدمي الاشتراكي كما لحركة "امل" وللحزب الشيوعي ايضاً. كل الناس اصبحت بقيادتي. هذا يعني انهم كانوا شركاء في صنع 6 شباط؟ - بالتأكيد كانوا شركاء ولهذا فان الذين يقولون ان حركة 6 شباط كانت حركة شيعية يحاولون تشويه التاريخ. انت تذكر بالتأكيد صورة ذلك الرجل الذي خرج حاملاً سكيناً ومشى في الطريق. ذلك كان في محلة البسطة وكان الرجل، بالمعنى المذهبي، من اخواننا السنة. قال السيد احمد جبريل في سلسلة "يتذكر" انه ارسل اليك قبل 6 شباط ست شاحنات سلاح ومعروف ان اسلحته ليبية المصدر؟ - الأخ ابو جهاد جبريل صادق، ولكن انا صادق جداً. هو صادق وأنا صادق جداً. لم آخذ في يوم من الأيام سلاحاً لا من احمد جبريل ولا من سواه. السلاح الوحيد الذي اخذته انا في حياتي كلها كان من سورية. بعد 6 شباط؟ - قبل ذلك التاريخ وبعده. اخذت اسلحة ودبابات من سورية. انا توليت رئاسة "امل" في 1980 وامداداتي العسكرية كلها من سورية. انا لا انكر ذلك. هذا يعني انك لم تأخذ من جبريل؟ - قلت لك هو صادق وأنا صادق جداً، خصوصاً حين يكون السلاح من ليبيا. ربما لو أراد جبريل اعطاءنا من سلاحه لفكرنا في الأمر، ولكن من ليبيا الأمر غير مطروح على الاطلاق. تسبب 6 شباط في انشطار المؤسسة الامنية الرسمية ونشأت في بيروت حالة ميليشياوية تسببت في حساسيات مذهبية وصراعات، لماذا حصل ذلك؟ - اشكرك على هذا السؤال. لقد قيل كلام كثير عن المسألة المذهبية في بيروت على رغم وعينا منذ اللحظة الأولى ان الحركة التي حصلت ليست مذهبية وانما هي حركة مباركة لانهاء العصر الاسرائيلي وفتح الباب للعصر العربي. لن اخوض في النظريات وسأحتكم الى الوقائع: فور الانتصار الذي حصل في 6 شباط نزل الناس الى الشوارع في حالة ابتهاج. ركبت سيارتي وذهبت من دون مرافق من بربور ورحت اشق الطرق وسط الناس الى دار الافتاء حيث التقيت المفتي المرحوم الشيخ حسن خالد. قلت له الآتي: يا شيخ حسن، بيروت تاجي الوطني لكنها قميص وسخ أمنياً. انا لا استطيع ان ألبسه ولا استطيع ان اتحمل. ياسر عرفات مع قبيلته وأمواله وقوته وقوة القضية الفلسطينية لم يقدر عليها وغرق فيها. والاسرائيليون غرقوا فيها. وأمين الجميل غرق فيها على رغم امكانات الدولة والتدريب الاميركي ودعم القوة المتعددة الجنسية. كلهم غرقوا. انا نبيه بري وحركة "امل" والقوى التي تعاملت معي لن نقدر على التحمل. بيروت تاجي وأنا بيروتي الاقامة والهوى والتربية ولكن في النتيجة القصة ليست قصة انني ابن بيروت أو لست ابن بيروت، انا لا استطيع ان اتحمل هذه المسألة امنياً. ارجوك ان تتسلم مني بيروت الوطنية واطلب انت من الجيش ان يتسلم الأمن، وأنا اصدر صباحاً امراً الى جميع المسلحين من دون استثناء بأن يعودوا الى منازلهم ويتسلم الجيش وتقوم قوى الأمن الداخلي بواجبها. أريد ان يكون الحل برعايتك لانني لا أريد الدخول في هذا الموضوع. كان المفتي خالد، رحمه الله، متجاوباً ومباركاً وقال نحن لنا ثقة بك. بعدها عقدت اجتماعاً في بربور حضرته قيادات بينها من كان مقيماً في دمشق. واعتقد بأن الاستاذ وليد جاء واختار المرحوم انور الفطايري ليمثله. تمسكت انا بدور للجيش وبدأنا الاتصال بالعقيد لطفي جابر قائد اللواء السادس آنذاك. وللانصاف أريد ان اسجل ان التناقض داخل القوى الوطنية بدأ بالظهور آنذاك. لم يكن الفطايري مستعداً لتسليم الامن الى الجيش اي اللواء السادس. حاورناه وشددنا على خطورة التسيب الامني لكنه كان يعارض. كانت حجته ان الجيش مخترق وانهم حين يستجمعون قواهم سيفعلون بنا مجدداً ما فعلوه من قبل. اختلفت وجهات النظر لكنني بقيت ضابطاً للوضع وكان للاستاذ وليد فضل اذ كان يتردد على بيروت ويجمعهم ويقول لهم نبيه بري رئيسكم وقائدكم. هل سبق 6 شباط تنسيق مع قائد اللواء السادس؟ - لا ابداً. كان ضد ما جرى. عندما انتصرنا بقي في مكتبه وبدأنا نفاوضه. اذكر انني امضيت ثلاثة ايام في جلسات شبه متواصلة لاقنعهم بأننا لا نريد تولي الامن في بيروت. ولكن كانت لكم اتصالات مع ضباط آخرين؟ - نعم كان هناك تململ في صفوف العسكريين. حروب الحلفاء سرعان ما تهرأ الوضع في بيروت الغربية واندلعت حروب الحلفاء، ما هي هذه القصة؟ - كنت في زيارة رسمية لفرنسا تلبية لدعوة من الرئيس الراحل فرنسوا ميتران. انهيت زيارتي وكنت استعد للتوجه الى ايطاليا عندما وصلني خبر عن المعركة التي حصلت بين "المرابطون" والحزب التقدمي الاشتراكي. قطعت رحلتي وعدت الى بيروت. هذه المسألة مهمة لأنها تساعد في تفسير ما حصل لاحقاً. جئت لاحتواء الوضع فوجدت ان الحزب التقدمي يريدني ان اقف الى جانبه و"المرابطون" يريدونني ان أقف الى جانبهم. ولم يكن سراً ان هذا النوع من المعارك يثير حساسيات وان هناك من يتربص للافادة من اي ثغرة في الوضع. تلك المواجهة كانت المفصل وبداية التدهور الذي حصل وأدى لاحقاً الى معارك متعددة بين "امل" و"المرابطون" وبين "امل" والحزب التقدمي الاشتراكي. هناك من اعتبر ضرب "المرابطون" بمثابة قرار بازالة آثار ياسر عرفات من بيروت؟ - الناس يفسرون كثيراً ويذهبون بعيداً. صدقني، وأنا صاحب تجربة في هذه المواضيع، ان الاشكالات البسيطة على الأرض تستدرج القيادات احياناً الى مواجهات سرعان ما ينهمك المحللون والمفسرون في اعطائها ابعاداً استراتيجية، في حين تكون هي وليدة احتكاكات عادية وتتفاعل. هل كان ل "المرابطون" دور في 6 شباط؟ - يمكنك القول نعم. كان هناك دور لكل الناس. واعتقد بأن الدكتور سمير صباغ نائب رئيس حركة الناصريين المستقلين - المرابطون كان جالساً معي عندما دخل الضابط الذي ارسله أمين الجميل في آب اغسطس 1983. لنعد الى الصدام: وصلت الى بيروت واتخذت موقفاً يقوم على جمع الصف. وللأسف لم تمضِ على وصولي 24 ساعة حتى اصبحت القصة في بيروت درزية - سنية. عدم وقوفي الى جانب الحزب الاشتراكي احدث شرخاً في العلاقة، والأمر نفسه مع "المرابطون"، وتالياً مع السنة في بيروت. عندها بدأت الامور تتراجع وظهر الكلام المذهبي. هناك مثل عامي يقول "المصلح له ثلثا القتلة"، وأنا اتخذت موقفاً يقوم على عدم التفريط بوحدة الصف التي ظهرت في 6 شباط. أي ان "امل" حاولت ان تكون المصلح. ظهرت الحساسيات وكان هناك بالطبع من يغذيها ويسعى الى توظيفها والافادة منها، علماً بأن "امل" كانت في 6 شباط تقاتل على مدخل بيروت الغربية وكان الحزب التقدمي يقاتل في الكارلتون. كان كل واحد يقاتل في موقعه ولم تكن توجد آنذاك حسابات فئوية. الحقيقة ان المعركة بين الحزب التقدمي و"المرابطون" كانت المفصل وبداية التدهور الذي راح يتفاعل على الأرض وأدى الى معارك متعددة بين "امل" و"المرابطون" وبين "امل" والحزب الاشتراكي. نظر الناس يومها الى قرار ازالة "المرابطون" كأنه قرار بازالة آثار ياسر عرفات من بيروت؟ - الناس يفسرون كثيراً ويذهبون بعيداً. في تلك الايام كان من شأن احتكاك بين عنصرين من تنظيمين ان يؤدي الى اشتباك اوسع. احياناً تفرض الممارسات على الأرض نفسها على المسؤولين خصوصاً اذا كانت الاجواء محتقنة. وعندما يحصل اشتباك تبدأ التحليلات والتفسيرات والتساؤلات عن الابعاد الاستراتيجية، علماً بأن الأمر قد يكون بدأ باشتباك بين عنصرين. كثيراً ما يتحدث الناس عن ارادة دولية وقرارات دولية وينسون ان ما يحدث على الأرض يمكن ان يفرض نفسه. عندما كانت القوة المتعددة الجنسية موجودة كانوا يتحدثون عن موقف دولي ويقولون لنا من تقاتلون والى أين انتم ذاهبون؟ وكنت اقول لهم ان الأرض قادرة على تغيير القرار الدولي. ولا ابالغ اذا قلت ان الاحتكاكات الصغيرة هي التي ادت الى ما أدت اليه في بيروت في تلك المرحلة. واعتقد بأن وجودي في فرنسا هو الذي حال دون تمكني من ضبط الوضع وقد استغل هذا الغياب. لو كنت حاضراً ربما كنت نجحت في لجم الوضع اذ انني كنت الأكثر قوة على الأرض فضلاً عن انه لم تكن لدينا مصلحة في ان يتدهور الوضع وان تحصل اختراقات او مواجهات. هل صحيح ان "المرابطون" كادوا ان ينتصروا في المواجهة مع "امل" لكن ظروفاً حالت دون ذلك؟ - لا علم لي بهذا الموضوع. ما أعرفه هو ان "المرابطون" ارادوا من "امل" ان تقف معهم ضد الحزب التقدمي الاشتراكي فلم تفعل، ونشأت حساسية في الشارع بين ابن "امل" وابن "المرابطون" وكان هناك من يغذي هذا المناخ. في هذه الاجواء حصل الصدام مع "المرابطون" وحصل لاحقاً وللأسباب نفسها مع الحزب التقدمي الاشتراكي. وهنا فاحت رائحة القميص الامني الوسخ. يجب ان اعترف بأن ما حصل في تلك الفترة شوّه حركة 6 شباط، وهي أهم حركة حصلت في لبنان وكان لها تأثير دولي واقليمي. وثمة حقيقة يجب الا تغيب عن البال. الآن نحن في السلطة سواء كان الرئيس الياس الهراوي أم أنا أم الاحزاب. دعني اسأل متى تمكنت هذه الاحزاب من دخول المجلس النيابي ومن الحصول على تمثيل وزاري؟ حصلت في السابق محاولات عدة لكنها لم تنجح. كثيرون ممن هم اليوم في الحكومة أو مجلس النواب لم يكونوا ليصلوا الى حيث هم لولا التغيير الذي احدثته 6 شباط في المعادلة. كانت تلك الحركة بداية العصر العربي الحقيقي وبداية عصر المقاومة الحقيقي. للأسف، ان الممارسات التي حكي عنها حصلت ولا يمكن انكارها وأدت الى تشويه صورة السادس من شباط لكن هذا التشويه لا يطول الروح الحقيقية. تحدثت عن اتصال الرئيس رفيق الحريري بك قبل دخول الجيش في 1983، هل كان له دور ما عشية 6 شباط او غداتها؟ - أبداً، على الاطلاق. حصل ذلك الاتصال ولم أعد اسمع صوته الى ان التقينا لاحقاً في جنيف ولوزان. حرب العلمين في 1987 شهدت بيروت ما عرف ب "حرب العلمين" بين الحزب التقدمي الاشتراكي وحركة "امل" ما قصة تلك الحرب؟ - هذه كانت احدى محطات التدهور. كل ما حصل في تلك الحقبة من "حرب العلمين" والحروب الأخرى الاستتباعية كان نتيجة للقتال الذي حصل بين "المرابطون" والحزب الاشتراكي. قيل يومها ان القتال بين "امل" والحزب الاشتراكي برّر عودة القوات السورية الى بيروت؟ - سأروي لك ما اعرفه شخصياً وما عشته: اللواء غازي كنعان رئيس جهاز الأمن والاستطلاع في القوات السورية العاملة في لبنان، ولم يكن لواء آنذاك، كان ينزل مرات عدة الى بيروت على رغم ان المعارك بين "امل" والحزب الاشتراكي كانت تدور في كل شارع تقريباً. وكانت من اخطر المعارك. كان ينزل في سيارته وحيداً من دون حراسة ويلح على وقف القتال. ذات يوم وصل فجأة الى منزلي في بربور وكان عندي اكرم شهيب النائب الحالي من الحزب الاشتراكي وكنا نتحدث الى أين نحن ذاهبون. هناك جوهرة بين ايدينا وها نحن نضيعها. بيروت مجد عزنا وفخرنا واعتزازنا نحرقها، وكنا نحاول اجراء اتصالات لوقف القتال وسحب المسلحين. وصل اللواء كنعان في حالة غضب شديد وهو يقول: "ماذا تفعلون؟" هناك ضباط سوريون قتلوا خلال محاولتهم وقف القتال. العقيد جامع اصيب برصاص حركة "امل" وهو لا يزال في بيروت حتى الآن. وفي ما يتعلق بعودة القوات السورية الى بيروت فقد توجهت قيادات وزعامات القوى الوطنية والاسلامية جميعها وانا بينهم وشيخ عقل الطائفة الدرزية والشيخ محمد مهدي شمس الدين والمفتي الشيخ حسن خالد ووليد جنبلاط ورشيد كرامي وسليم الحص وتقي الدين الصلح ورشيد الصلح وحسين الحسيني الى سورية مرة أو مرتين وأوضحنا في اصرار وعناد "اننا اصبحنا مخنوقين". وهذا الكلام كنت أردّده، وبما انني كنت قائد انتفاضة 6 شباط فأنا المسؤول الأول وليس الأخير عن الامن في بيروت الغربية الذي كان سيؤدي الى انهيارنا حتى ان الناس باتت تتمنى عودة "القوات اللبنانية" وأمين الجميل، وكادت ان تتمنى رجوع اسرائيل لانها حرب بين اخوة وكما يقول الرئيس الحص "ان فض اي اشتباك كان يؤدي الى إقفال المكاتب العسكرية وتحويلها الى مكاتب اجتماعية. وعندما تحتدم المعارك تتحول المكاتب الى قنابل اجتماعية تنطلق من تلك المكاتب". وهنا بدأت الاغتيالات، وكان للمخابرات دور كبير خصوصاً ان أمين الجميل كان لا يزال في السلطة والجيش لا يزال جيشاً فيما نحن نتقاتل جميعاً والجيش يذكي القتال اكثر. وكان لديّ تخوف حقيقي، فتوجهنا جميعنا بصوت واحد وعلى رأسهم انا لنصرخ مطالبين بضرورة نزول الجيش السوري الى بيروت. وحيال ما أثير عن ان تلك المعارك كانت مطلوبة لتبرير عودة القوات السورية الى بيروت اقول ان الارض تفرض احياناً اموراً معينة فيقال انها مقصودة، كشخص يحترق منزله فيقال انه حرقه عمداً لأن لديه بوليصة تأمين. وبمعنى آخر تُفسَّر الامور استراتيجياً واقليمياً ثم دولياً. وكنا في ما مضى نقول ان الازمة في لبنان لن تحلّ الا بعد الانتخابات الاميركية، ثم ربطناها بالانتخابات الاسرائيلية فالانتخابات في مصر، وهكذا باستمرار كانت هناك تحليلات، ولا يزال بعضها حتى يومنا الحاضر. الناس قرأت تحاليل عدة في الصحف عن سبب نعي نبيه بري ل "الترويكا". وفسّره بعضهم، ولو بالتلميح، انه امر مطلوب من سورية في الوقت الذي كانت هي تضغط بكل قوتها لقيام الوئام بين الرؤساء اللبنانيين وربطه بعضهم بإقرار الانتخابات البلدية من دون علمي على رغم انني طالبت بها فيما كانت الحكومة ترفض هذا الامر. هل شاركتم في تصفية الشيوعيين في الاغتيالات التي استهدفت بعض قادتهم؟ - ليس لحركة "امل" في تاريخها علاقة بأسلوب الاغتيال على الاطلاق. فهي تقاتلت مع كل الناس وقاتلت ولا تزال تقاوم اسرائيل، لكنها منذ نشأتها حتى هذه اللحظة والى الابد لم تتعرف الى اسلوب الاغتيال. هل استطيع ان اكتب نقلاً عنك: "انا لم اتخذ اي قرار باغتيال احد"؟ - 300 في المئة. أنا لم اتخذ قراراً باغتيال اي انسان على الاطلاق ولا حتى هرّة. اما بالنسبة الى القتال والتقاتل فكان يحدث. حسين مروة مثلاً؟ - أعوذ بالله. إن من تسميهم معروف من اغتالهم ويا للأسف. سهيل طويلة؟ - ولا إنسان. ولا مسؤول شيوعي؟ - لا شيوعي ولا شيعي ولا غيره. للاغتيال اسلوب كما للصحافي اسلوبه وللدول اسلوبها وللحركات الثورية اسلوبها. صُبغت حركة "امل" بكلمة يعرفها الناس وهي "ميليشيا"، لكنني اقول: لا، انا ميليشيا الدولة. عن يميني العلم اللبناني وعن يساري العلم الحركي. في معركة العلمين مثلاً، كان أحد الأسباب التي وترت الجو وعكست توتراً عيد الاستقلال. وأرادت حركة "امل" رفع العلم اللبناني فرفض الحزب التقدمي الاشتراكي. وتزنّر شباب حركة "أمل" بالعلم اللبناني ونزلوا الى الشوارع. فنحن كان لنا دائماً اسلوبنا ولا يزال على رغم اننا انخرطنا في اساليب لا نقرها مثل القتال مع اخواننا في "حزب الله" والحزب التقدمي الاشتراكي و"المرابطون" والفلسطينيين، وهو أمر مؤسف. وكان قرار القتال الوحيد الذي اتخذناه بتصميم ضد اسرائيل ومنذ ان اعتبر الامام الصدر ان التعاون مع اسرائيل حرام. ونحن نعتبر اسلوب الاغتيال اسلوباً جباناً لا يؤمن به ابن حركة "امل" وتنبذه قيادتها وهو غير وارد بالنسبة اليها على الاطلاق. كثرت الاقاويل في بيروت بعد 6 شباط ومنها ان شخصاً ينتمي الى "أمل" اعتدى على اشخاص بهدف احتلال منزل. لكن القيادة لم تكن على دراية وأنا شخصياً لم أعرف، وفي حال علمت خصوصاً ان الرئيسين رشيد كرامي والحص كانا يرسلان اليَّ اشخاصاً لمعالجة الامور فأدفع تعويضات حتى ان بعضهم كانت تُسلب منهم سياراتهم اي تشبيحات واشخاصاً يدّعون انتماءهم الى حركتنا إلا ان الحركة بريئة منهم. وبالنسبة الى الاغتيال فهذه المرة الأولى التي أُسأل فيها عنه إذ أن الاغتيال بعيد عن اسلوبنا. "حرب المخيمات" اعطيت حرب المخيمات تفسيرات عدة أبرزها انها وضعت في إطار الصراع العربي - العربي على لبنان؟ - ظهر ياسر عرفات في بيروت مرتدياً ملابسي وقال لي: "إن الفلسطينيين امانة بين يديك". لكن القيادات الفلسطينية بدأت تعود بعد انتصار 6 شباط، حتى انني اذكر في احد الليالي قيل لي ان أبو صالح من حركة "فتح" موجود في صالون منزلي ولم اكن أعلم من هو أبو صالح فلاقيته، وبدأت النيات الفلسطينية تتضح شيئاً فشيئاً وانهم في صدد العودة الى بيروت والتمركز فيها وفتح مكاتبهم من جديد ووضع يدهم على الوضع، وهذا أمر لم تحبذه حركة "امل" خصوصاً ان عودتهم الى بيروت، ستؤدي الى عودتهم، الى الجنوب، فيما كانت الحركة ذاقت حلاوة افعالها بالمقاومة اذ انها كانت زعيمة المقاومة من دون منافس، وكانت الوحيدة على رغم قيام الحزب الشيوعي والحزب السوري القومي الاجتماعي بعمليات بين حين وآخر، لكن المقاومة الشعبية الاساسية التي كانت تقوم بعمليات يومية هي حركة "امل". هل كنتم جزءاً من جبهات المقاومة حينها؟ - نحن مقاومة لبنانية بينما قام اخواننا الشيوعيون بعمليات تحت عنوان المقاومة الوطنية. لكن العمود الفقري للمقاومة هو حركة "أمل" فهي زعيمته ورأس الحربة. ولا يستطيع احد ان ينكر هذا الأمر منذ العام 1982 حتى وصول الجيش اللبناني الى الجنوب. كانت امل تنفذ 30 عملية قبل ان ينفذ غيرها عملية واحدة، وهذا واقع. واذا سألتني من هو زعيم المقاومة الآن سأقول المقاومة الاسلامية وفي المرتبة الثانية حركة "أمل". نحن ما زلنا نقاوم ولكن ضمن الامكانات، فالدعم الذي يصلنا ليس بمقدار الذي يصل الى غيرنا. وهذا التاريخ حرام ان يخبأ ويكفي ان تأتي بصحف قديمة وأرشيف العمليات للتأكد. مع العلم ان كل شهيد يسقط من المقاومة الوطنية اتبناه وأرثيه. رثيت سناء المحيدلي وكل الاخوان الشيوعيين وغير الشيوعيين الذين استشهدوا وقاتلوا. وكان موقفي منهم واحداً، وحولت وزارة الجنوب الى وزارة مقاومة وضممت البقاع الغربي الى الجنوب ولم يكن هذا الأمر موجوداً على الصعيد الرسمي، وأهديت الى زاهر الخطيب اذاعة وطلبت منه ان يسميها اذاعة المقاومة وكذلك بالنسبة الى التلفزيون اذ انشأت فرعاً لتلفزيون لبنان في شوكين بعدما طرد الاحتلال ليتمكن ابن الجنوب من مشاهدة تلفزيون بلده وأهديته الى تلفزيون لبنان الرسمي. أنا لم أحاول في يوم من الأيام ان احوِّل القضية الى حكر لكننا لا نستطيع ان نتنكر للتاريخ. منذ العام 1982 وحتى دخول الجيش اللبناني الى الجنوب كانت "أمل" زعيمة المقاومة من دون منازع الى درجة ان اسرائيل لم تعد قادرة على المرور في الجنوب. اتصل بي محمد سعد قبل استشهاده بيوم واحد ليقول لي "ان الجنود الاسرائيليين لا يجرؤون على الدخول الى القرى السبع المعلقة في السماء" التي حولها الى جزيرة وسط الجنوب وحررها من وجود الاسرائيليين. وكانت النساء ترشقهن بالزيت المغلي عند اشتراكهن في المعركة. متى ذهبت الى الجنوب للمرة الأولى بعد اجتياح 1982؟ - بعد انسحاب اسرائيل وكنت مرتدياً بزة عسكرية للجيش اللبناني وكانت هناك احتفالات تتعلق بالامام الصدر، واقمت احتفالاً في بعلبك ألقيت فيه كلمة وتوجهت بعدها الى المطار مباشرة وركبت طائرة هليكوبتر وهبطت بها في الزهراني مرتدياً البزة العسكرية لئلا يعرفني احد وهناك بدلت ملابسي وتوجهت مباشرة الى قبر الشهيد محمد سعد، في العام 1985، وقرأت الفاتحة. وفي اليوم التالي اقيم الاحتفال المليوني في صور وحضره 800 ألف شخص والقيت كلمة. لنعد الى "حرب المخيمات". - حدثت حساسية بعد 6 شباط لأننا طلبنا من اخواننا الفلسطينيين التنحي لاننا لسنا في حاجة اليهم ولا نريد سوى المقاومة اللبنانية واذا احتجنا اليهم في سلاح او رجال سنطلب فنحن المسؤولون عن مقاومتنا. وقلنا: قاوموا انتم في اراضيكم المحتلة. وهنا بدأ التناقض واتضح انهم يريدون العودة. وقد لا يصدق من يقرأ او يسمع انني حين كنت موجوداً في بربور كان آخر ما افكر فيه ان تحدث مشكلة بين الفلسطينيين وحركة "أمل". ويمكنك ان تسمني ما شئت "غير مطلع" أو "أعمى عن الأرض" ولكن هذا هو الواقع. وكان شعور الناس يتلخص في عدم رغبتهم في عودة الفلسطينيين والعودة الى ما قبل العام 1982. وكان موقف الجنوبيين كذلك واكثر. وحتى المقاومة كانت تقول ان مقاومتنا اثبتت فاعليتها وليست في حاجة الى مقاومتكم، خصوصاً ان الناس لم تنسَ ما حدث في الجنوب وعدم التصدي للاجتياح. وهذا أمر، أما الأمر الثاني فهو ان تخلق مشكلة بين الفلسطينيين وحركة "أمل" في مخيمات بيروت. وقد لا يصدقني احد اذا قلت انني لم أعلم بذلك. وعندما قالوا لي ان هناك مشكلة قرب قصقص - وعلى الارجح كان اليوم يوم سبت - حركت الامن للتوجه الى المكان لمعالجة الامر وبعد ساعة وربع ساعة علمت ان تصريحاً صدر عن صلاح خلف ابو اياد عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" وتضمن "ان حركة امل عنيدة". تصور بعد ساعة وربع ساعة فقط من الحادث الذي كان يحصل مثله عشر مرات في اليوم الواحد بين ابن "أمل" وابن الاشتراكي ولم يكن هناك حمداً لله قتلى او جرحى. لم أصدق ان "ابو أياد" الذي يعرفني شخصياً يُصدر تصريحاً بهذا الشكل تناقلته الاذاعات وزاد التوتر على الأرض. وتريثت قبل الرد وطلبنا من عضو مكتب سياسي ان يجيب بأن "هل هذا جزاؤنا وأجرتنا؟ أهكذا تكافأ أرواح المقاومين وأبطال 6 شباط؟"... وحصل في اليوم التالي اطلاق نار بين حركة "أمل" وبرج البراجنة... وهكذا بدأت الامور تتطور وتتفاقم واخذت مداها المعروف. من خاض تلك الحرب؟ - خاضتها "أمل" وساعدها اللواء السادس في الجيش اللبناني. كم بلغت الخسائر؟ - كانت هناك خسائر، لكنني لا استطيع تحديدها، فالخسائر موجودة لدينا عموماً، ولدينا مؤسسة تدعى "مؤسسة الشهداء والجرحى" تملك الاحصاءات والتفاصيل. تحولت المواجهة حرباً بين الشيعة والفلسطينيين؟ - للأسف هذا هو الوضع في لبنان وسأعطيك مثالاً: سمت حكومة الحريري الدكتور رضا وحيد وزيراً للمغتربين من دون علمي. أنا سميته ولكن ليس كوزير للمغتربين. وفي المرة الثانية سمي علي الخليل وزيراً للمغتربين، فقيل ان هذه الوزارة شيعية وعرقلوا عملها حتى هذه اللحظة. وكانت الترويكا موجودة اثناء تأليف الحكومة فقلت للرئيسين الهراوي والحريري "انني أفضل ان استقيل على ان أعطي الثقة لحكومة فيها وزير مغتربين شيعي لئلاً تشيعوها، خصوصاً ان 90 في المئة من المغتربين هم مسيحيون. وفي لبنان يفسر كل شيء طائفياً. اذا طالبت بالغاء الطائفية يقال لأن الشيعة عددهم اكبر، على رغم ان الاحصاء لا يشير الى ذلك. وفي لبنان لا توجد طائفة أكبر من طائفة. وقالوا ان الشيعة يقاتلون الفلسطينيين لكنني اعتقد آنذاك ان القوى الفلسطينية - وكان بعضها يسمى الرفض ولم يكن الانقسام الموجود الآن بل كان مختلفاً - لو وقفت موقفاً قومياً وليس وطنياً لتغير التاريخ. المعركة بين "فتح" و"أمل" مثل المعركة بين "أمل" و"جبهة التحرير العربية" قبل العام 1982. ذهبت آنذاك الى دمشق وعقدنا اجتماعاً في مكتب احمد جبريل الأمين العام ل "الجبهة الشعبية - القيادة العامة" في حضور القيادات الفلسطينية التي كانت على خلاف مع ياسر عرفات بمن فيها أبو موسى وأبو خالد العملة وغيرهم... وقلت لهم "كان من ضمن السجناء ال 56 الذين سببوا 6 شباط 51 فلسطينياً فهل نبيه بري ضد الشعب الفلسطيني؟". فأجابوا: "في الواقع نحن نعرف هذا الكلام ونعرف ان هناك تخطيطاً يهدف الى اعادة ابو عمار الى لبنان والى شواطئ صور". فأجبت: "لكنكم أكملتم المؤامرة. فأبو عمار خطط وانتم مشيتم". عندها التفت جبريل اليّ وقال "انا مضطر الى قتالك لأن القضية قضية فلسطينيين". فأجبته: "ولكنني لم آخذها بهذه الطريقة. فأنا لا أريد شيئاً من الفلسطينيين. هل أريد ان ادخل الى المخيمات لأسكن مكانهم؟ ما هو هدفي من هذه المعركة؟ أنا لا أطالب بشيء". فقال: "ألست انا ضد ياسر عرفات؟ ولكن عندما تتحول القضية الى هذا المنحى فليس في استطاعتي الا ان اقاتل الى جانب ياسر عرفات". حاولت بالاشتراك مع الاخوة السوريين والاستاذ عاصم قانصوه، ولست متأكداً اذا كان جورج حاوي حاضراً آنذاك، ان نتفاهم معهم. فقلت: "نحن تقاتلنا مع الكتائب اللبنانية لأجلكم ولم نعتبرها قضية لبنانية، فلماذا تعتبرونها الآن قضية فلسطينية؟ لماذا يجوز لكم ان تكونوا فلسطينيين ولا يجوز لنا ان نكون لبنانيين؟". وبعدما عدت من الاجتماع، حصل قصف وسقط صاروخ كاتيوشا بالقرب من منزلي مصدره جماعة جبريل في الجبل، فتحولت المعركة الى معركة فلسطينية وطرحت في السوق السياسي والامني على اساس انها معركة شيعية ضد الفلسطينيين. وتباعد موقفك عن موقف الوزير وليد جنبلاط؟ - المعركة مع "المرابطون" هي التي احدثت الشرخ اساساً. وموقف الاستاذ وليد جنبلاط اثناء الصدام مع الفلسطينيين كان شبيهاً بموقف بالع الموس، فهو يعرف انني لا أريد المعركة ولكن في الوقت نفسه لديه التزامات تجاه الفلسطينيين، فحاول ان يتحصن من خلال دفع الفلسطينيين الى اتخاذ موقف من أبو عمار ليكون هو الى جانبهم بالطريقة نفسها التي أردتها ولم يقدر فوقف الى جانبهم وهاجم ابو عمار. وإذا راجعت تصريحاته آنذاك ستجد هجوماً من قبله على ابو عمار والفتنة والحرب الفلسطينية الا انه في الوقت نفسه كان يسايره. هل تحمل ياسر عرفات مسؤولية حرب المخيمات؟ - لا استطيع ان اجزم، لكنني أعلم ان "فتح" هي المسؤولة آنذاك. كيف تصف العلاقة المعقدة بينك وبين وليد جنبلاط؟ - انا أوده كشخص وأحبه. هل هذا الحب متبادل؟ - اسأله هو. انا احسه قريباً وهو رجل وطني في جوهره وعنده سرعة في اتخاذ القرارات والرجوع عنها مما جعلني اسميه الحليف اللدود. ولكن هذا في الماضي. مع كميل شمعون هناك قصة بينك وبين الرئيس الراحل كميل شمعون، ما هي بالضبط؟ - اشتركنا في مؤتمرات عدة ففي جنيف مثلاً، كان موجوداً وكذلك بيار الجميل وسليمان فرنجية. واكثر المناقشات تمت بيني وبين كميل شمعون وفي احد اللقاءات قلت له: انا أريدك بطريركاً مارونياً وليس حاخاماً. ومعلوماتي تفيد انكم تحضرون خلفاً لسعد حداد. وكان هناك من اخبرني ان انطوان لحد سيكون بعد سعد حداد. وعندما طالبت بالغاء الطائفية السياسية طالب هو بالعلمنة، فقلت له "ان الورقة التي ستأتيني بها موقعة من الكاردينال خريش آتيك بها موقعة من الشيخ حسن خالد. يجب ألا تكون تلك حجة لعدم تطور البلد". ماذا يعني لك كميل شمعون كشخص؟ أليس لديك تقدير لخصومك؟ - طبعاً. متى تعرفت اليه؟ - كانت معرفتي به اشبه بقصة نادرة جداً. قبل ان أسافر الى افريقيا كنت في البكالوريا وقدمتها وأظهرت النتيجة انني راسب وكانت النواحي الادارية أيامها تمهل الطالب 7 أيام ليحصل على النتائج وبعدما صبرت 7 أيام اخذت النتيجة التي اشارت الى انني ناجح باستثناء مادة اللغة الفرنسية التي حصلت فيها على اربع علامات بينما كان من المفترض ان احصل فيها على خمس علامات، مما يعني ان هناك علامة للرسوب. إلا انهم لم يكلمونا عنها قبل الامتحانات ولم يدر احد بها وعلى افتراض انني كنت أعلم بها ففي هذه الحالة اتقدم الى امتحان اللغة الفرنسية فقط في تشرين فلماذا اشاروا الى انني راسب؟ اخذت النتيجة وتوجهت الى تبنين وأرسلت رسالة الى كميل شمعون رئيس الجمهورية آنذاك في العام 1956 بلغتي وبخط جيد وقلت فيها "بما انك سيد البيت وكفرد من الاسرة، أشكو اليك ظلماً لحق بي آملاً ان ترفعه عني". وفجأة في يوم من الأيام وصلتني برقية من القصر الجمهوري تفيد بموعد في نهار معين مع الرئيس شمعون في القصر الجمهوري في القنطاري. فذهبت ولم اكن مرتدياً بزة رسمية لأنني لم أحب ان أرتديها وأهلي كانوا في افريقيا. وكشاب في أول عمره ارتديت بنطالاً وقميصاً ولا دراية لي بالبروتوكول. لاقاني النقيب فادي حمدان عند الباب وابنه مصطفى حمدان قائد الحرس عند الجنرال لحود حالياً وسألني "الى أين"؟ اطلعته على البرقية. فقال لي "رتب نفسك". ودخلت الى مكتب الرئيس. وسألني شمعون: "أنت كتبت الرسالة أم ان أحداً كتبها لك؟" فأجبته: "أنا الذي كتبتها". فقال: "من يكتب رسالة كهذه لا بد ان تكون معه شهادة أعلى من البكالوريا". واتصل بالمدير العام للتربية آنذاك وقال له: "من أين لكم الحق ان تطبقوا قرارات قبل تعميمها؟ سأرسل إليك شاباً صاحب حق. وذهبت الى فؤاد صوايا الذي قال لي: "لنفترض ان الظلم لحق بك خطأ. لذلك قدم أوراقك فقط. لنصدر لك إذناً خاصاً لأن تشرين بات قريباً وليس من المفيد ان نقول اننا اخطأنا". فرفضت ولم أعد الى الرئيس شمعون وسافرت الى افريقيا وعملت بالتجارة هناك. وفي العام 1958 عدت الى لبنان حيث بدأت الاحداث وتأخرت الامتحانات فاستفدت والتحقت بمدرسة ليلية وقدمت البكالوريا ونجحت وأنهيت الفلسفة في المقاصد ثم أكملت مشواري الدراسي. هل ذكّرت الرئيس شمعون بتلك القصة؟ - ظهر منه ما يدل على حنكته وظرفه ويمكن ان يسمى بالثعلب اللبناني. قال لي على هامش محادثات جنيف بعد النقاشات القاسية: "أريد ان أدعوك الى الغداء، وأنا اشهد بلبنانيتك". فأجبته: "ما يهمني هو ان اشهد أنا بعروبتك". فقال: "على أية حال تعال نتغدى وبلا فلسفة". وسألني من أين أنت وأخبرني أنه كان يصطاد في الجنوب وانه يحب الجنوبيين. وفيما كنا نتناول الطعام في الفندق ألقى جوزف الهاشم وعادل عسيران السلام علينا. وقلت له "أنت لا تعرفني لكنني أعرفك شخصياً وجلست معك". فأخبرته بالقصة. والغريب أنني عندما أتيت في حديثي على ذكر الرسالة قال: "هذا أنت؟". ما هي محاولات الاغتيال التي استهدفتك؟ - هناك الحوادث التي تعرضنا لها في بداية حرب السنتين وفي احدها اصيبت سيارتي بعشرات الرصاصات. هناك محاولة لاغتيالي بالمدفعية حدثني عنها الوزير ايلي حبيقة وهي حصلت من قبل "القوات اللبنانية" يوم كان على رأسها. حبيقة رواها لي. رن الهاتف في منزلي حوالي منتصف الليل وادعى مجهول انه مروان حمادة الوزير السابق ويريد التحدث إلي. اخذت سماعة الهاتف فأقفل المجهول الخط وبعد أقل من نصف دقيقة انهمرت القذائف وأصيب مطبخ المنزل. كان غرض المتحدث المجهول التأكد من وجودي في البيت. استطعت انزال زوجتي وأولادي الى الملجأ واجريت من هناك اتصالاً هاتفياً أوحيت فيه أنني تركت البناية لكن حبيقة، كما روى لي، قال لهم ان نبيه بري لا يترك البناية واستمروا في القصف. هل عرفت العماد ميشال عون؟ - لم أكن أعرف العماد عون وطرح موضوع التعيين في المجلس العسكري. كان ذلك في 1984 وكنت وزيراً. اقترحت على المجتمعين ان نتولى كلنا تعيين اعضاء المجلس العسكري استناداً الى الكفاءات والمواصفات لا ان يختار الموارنة الماروني والشيعة الشيعي. وافق الرئيس الجميل وبدأنا بالبحث. سألته من تريد قائداً للجيش فقال ميشال عون. أنا اقترحت اسم اميل لحود وقلت خلال الجلسة انني لا أعرف أميل لحود لكن ما اسمعه عنه هو انه ضابط كفوء وخلوق. رفض الجميل ورفضت أنا وتأجلت الجلسة مرات عدة، وقالوا لاحقاً كل واحد يختار ممثل طائفته. وهكذا كان. ويا للاسف، هذا ما يحصل دائماً في لبنان. هل ايدت العماد عون لرئاسة الجمهورية؟ - لا. أبداً الأسبوع المقبل: الهراوي والحريري و"حزب الله".