مساعد وزير الداخلية لشؤون التقنية يزور قيادة القوات الخاصة للأمن البيئي    نائب أمير المدينة يطلع على أعمال فرع الديوان العام للمحاسبة    94 % من مستخدمي الإنترنت في المملكة يتبنون الحلول الرقمية لحفظ بياناتهم الحساسة    حرس الحدود ينفذ مبادرة "حدود خضراء" بمنطقة جازان    11 مايو بدء الإعفاء المتبادل من تأشيرات الزيارة مع روسيا    أمير حائل يطّلع على منجزات الدفاع المدني ويبحث تطوير التعليم بالمنطقة    الدفاع المدني يؤكد أهمية الالتزام بالتعليمات المعلنة بعد ورود تنبيهات باستمرار الأمطار    أمير الرياض يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة نادي الإعلام الحديث    فرع وزارة الشؤون الإسلامية في منطقة جازان يُنفّذ عدد من الفعاليات والمنجزات والبرامج الدعوية خلال شهر رمضان المبارك للعام الجاري 1447 هجرية    مدينة الملك فهد الطبية والإسعاف الجوي ينقذان حياة مريض تعرض لجلطة قلبية    سر الاجتماع بين انزاغي ولاعبي الهلال    جولة منتظرة في دوري يلو.. 3 قمم بين أصحاب الصدارة    الموارد البشرية تعلن عن تحديث قرار توطين المهن الإدارية المساندة بإضافة 69 مهنة    محافظة صوير تسدل الستار على مهرجان شتاء الجوف الثاني    استقرار أسعار النفط    اكسيوس: مفاوضات دولية لبحث هدنة مؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران    الاتفاق يتغلب على القادسية بثلاثية    أبو زهرة بالعناية المركزة    الكم الكيفي ياجمعياتنا الأهلية    شروط جديدة تعيد تشكيل زواجات جدة    أفلام الأكشن تستهوي محبي السينما    اللثة تؤثر على مرضى الكلى    أمير الرياض يرعى حفل خريجي جامعة الفيصل ويضع حجر الأساس لمشروعات المنشآت الرياضية بالجامعة    الهلال يشعل الإعلام العالمي.. هدف برازيلي وتألق فرنسي وغضب برتغالي    الإعلام والأزمات المنسية في الحرب الأميركية - الإيرانية    التقرير السنوي للتجارة على طاولة الشورى    غالتييه: نقاط الفيحاء تعزز ثقافة الانتصار    المملكة تدين محاولة تخريب سفارة الإمارات في دمشق    تقرير «مدني الرياض» على طاولة فيصل بن بندر    ولادة أول وعل بمحمية الوعول في 2026    حين يتحول الفراغ إلى إساءة    اختفت وهي طفلة وظهرت بعد 32 عاماً    بدء تسجيل الطلبة المستجدين للعام الدراسي المقبل    دعماً لاستقرار السوق.. 206 آلاف برميل زيادة إنتاج «أوبك+» خلال مايو    بالتعاون مع كبرى الشركات الوطنية.. إطلاق إستراتيجية مجلس تنسيق المحتوى المحلي المحدثة    طائرة تقتحم مطعماً في البرازيل وتخلف 4 قتلى    ولي العهد يهنئ رئيس وزراء تايلند بإعادة انتخابه    بقيادة فتحي الجبال.. الأخدود يحقق فوزاً ثميناً على الفتح    التعليق الذي أزعجك…قد يكون أهم ما قيل لك    البرستيج القاتل    «موهبة» تطلق برنامجها الإثرائي المهاري في 3 مدن    كندا تستثمر فشل منتخب إيطاليا بطريقة ذكية    عبر فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران.. تحذير أمريكي من محاولات اغتيال دبلوماسيين بالعراق    راحة البال    توقيع 5 آلاف اتفاقية بمنتدى العمرة والزيارة    غارات على بيروت ونزوح واسع للسكان بالجنوب.. عون: رضا ليس سفيراً ويعمل دون مهمة رسمية    ميناء جازان للصناعات الأساسية.. تعزيز الاستثمارات والقدرات اللوجستية    طيور تحمي أعشاشها بسموم السجائر    دراسة: لقاح الإنفلونزا يمنح مناعة تمتد لعقود    زيلينسكي في دمشق.. حضور أوكراني وتراجع روسي    زلزال كابول يقتل 12 شخصا    اختتام فعاليات المؤتمر العشرون للجمعية السعودية لجراحة المخ والأعصاب    مهرجان الزهور وجهة سياحية تنعش ينبع الصناعية    5 آلاف اتفاقية بمنتدى العمرة    نائب أمير نجران يطَّلِع على مشروعات شركة المياه الوطنية بالمنطقة    استعرضا العلاقات الثنائية وناقشا تداعيات التصعيد العسكري.. ولي العهد ورئيسة وزراء إيطاليا يبحثان المستجدات الإقليمية    رئيسة وزراء جمهورية إيطاليا تغادر جدة    رئيسة وزراء جمهورية إيطاليا تصل إلى جدة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الزعيم السابق للحزب الشيوعي اللبناني يتذكر . حاوي : فضل الله تسلم الانذار من موسكو فأفرج الخاطفون عن الرهائن السوفيات - أبلغنا حلف وارسو قرارنا التصدي للاميركيين 2 - قسم ثاني
نشر في الحياة يوم 27 - 05 - 1996


"الاتفاق الثلاثي"
كيف ولدت فكرة الاتفاق الثلاثي بين الميليشيات الثلاث المتحاربة في لبنان؟
- فكرة الاتفاق الثلاثي هي الحلقة الثانية بعد الوثيقة الدستورية التي كانت الحلقة الاولى في محاولات الحل لكنها فشلت. بالنسبة الى الاتفاق الثلاثي نضجت داخل "القوات اللبنانية" صورة تظهر ان ثمة استعصاء وان مشروع الهيمنة على كل لبنان قد فشل. فشل المشروع بمقتل بشير الجميل وفشل في حرب الجبل وكذلك في حرب اقليم الخروب. حاولنا انقاذ الاقليم من التهجير وذهب رفيقنا الياس عطاالله، المسؤول هناك وفي الجبل وفي الحزب آنذاك، مفاوضا مع "القوات اللبنانية" في الاقليم باسم وليد جنبلاط طارحاً خروج "القوات" وبقاء الاهالي، فاصرت "القوات" على بقاء الاهالي وبقائها للقتال ثم انسحبت من دون قتال بعدما امنت تهجير الاهالي.
بعد كل ذلك كان لا بد من ان يخرج صوت عاقل من اوساط "القوات اللبنانية" ليسأل الى اين؟ واعتقد ان اوساطاً في "القوات" بدأت تدرك آنذاك ان الاسرائيلي لا يساعدها حبا بها ولا حبا بلبنان بل يستخدمها بين اوراقه، وان الدور الاسرائيلي انحسر واخلى المجال للدور الاميركي، وان قدرة سورية على التعاطي مع الدور الاميركي هي اكثر من قدرة امين الجميل و"القوات". ومن غريب الصدف ان الاميركيين كانوا قد اكتشفوا عدم صدق امين الجميل باشكال مختلفة. هكذا بدأت تخرج في الاوساط المسيحية اصوات تسأل: الى اين؟ بين هذه الاوساط بدأ التفاعل داخل القيادة الجديدة لپ"القوات" ممثلة بايلي حبيقة. علماً ان التناقضات الذاتية تقود احياناً بعض الاطراف الى التفتيش عن خيوط سياسية اخرى.
من فتح لحبيقة طريق دمشق؟
- لا اعرف تحديداً، ما اعرفه هو ان النائب ميشال سماحة لعب دوراً اضافة الى اطراف لم تنقطع صلتها اصلاً بسورية. وربما لعب الرئيس رفيق الحريري دوراً اذ كان على علاقة بجميع الاطراف يسعى الى ايجاد مخارج من المأزق. في المقابل كان وليد جنبلاط متوجساً من الاتفاق ليس فقط لانه لم يكن يريد اللقاء مع حبيقة بل ايضاً لانه لم يكن يريد حلاً ناقصاً. كانت الاجواء نفسها التي سيطرت على حرب الجبل 1976 قبل الصدام مع سورية تعود لتوحي بامكان انتصار كامل فتساءل وليد لماذا نقطعه في منتصف الطريق. من جهتي كنت اميل الى مساومة وحل لانني اعتقدت ان لا سورية ولا الاوضاع الاقليمية تستطيع احتمال الحسم اضافة الى ان اوضاعنا في المنطقة الغربية من بيروت كانت مهترئة الى درجة لا تستطيع احتمال مشاريع جذرية.
خلال محادثات "الاتفاق الثلاثي" صدر بيان عن اللجنة المركزية لحزبنا يؤكد على نقاط اساسية. طرحنا فكرة الالغاء التدريجي للطائفية السياسية وفكرة انتقال الصلاحيات الرئيسية من شخص رئيس الجمهورية ليس الى شخص رئيس الوزراء بل الى مجلس الوزراء مجتمعاً وبعض الاصلاحات التي كنا نتداولها دائماً مع السيد عبدالحليم خدام ومع الرفيق وليد جنبلاط والاستاذ مروان حمادة والباحثين في عمق في الازمة اللبنانية.
جرت تلك المحادثات وطورت هذه الافكار بصيغة "الاتفاق الثلاثي" الذي شكل اساساً طوّر لاحقاً في "اتفاق الطائف". كانت هناك شكوك عدة تساور القوى المرافقة لذلك العمل في قدرة ايلي حبيقة على شد الوضع في المنطقة الشرقية الى القبول بهذا الاتفاق. فهو يجري من دون موافقة امين الجميل وفي وجه معارضة شرسة من قبل سمير جعجع ولا احد يدافع عن هذا الاتفاق. جرى خوض معركة الاتفاق في الشرقية امنياً كأنها عملية تسلل وليست حواراً سياسياً، فقد كان نصف انقلاب اي انه لم يكن انقلاباً متقناً ولا معركة ديموقراطية مفتوحة. صحيح ان ايلي حبيقة انتزع موافقة على التوقيع في الاجتماع الذي عقد في مقر البطريركية المارونية في بكركي، لكن هذا الانتزاع الشكلي الناجم عن كونه آنذاك الآمر الناهي في المنطقة الشرقية لم يمنع ترتيب الرد من قبل امين الجميل وسمير جعجع وميشال عون قائد الجيش آنذاك مع دور لعبه بعض الاطراف التي حضرت توقيع الاتفاق في دمشق مثل كريم بقرادوني الذي حضر ويقال انه حذر من الاجواء السائدة في الشرقية لكن تحذيراته لم تؤخذ في الاعتبار.
في انتظار توقيع الاتفاق كانت هناك عقد عدة منها ما اشيع في الشرقية من ان توقيع الاتفاق سيتبعه دخول القوات السورية الى تلك المنطقة لفتح طريق بيروت - طرابلس. واشيع ان الاتفاق سيقضي على الوجود المسيحي المسلح من دون غيره. حرب اشاعات فظيعة. وكانت هناك نقاط اخرى بينها اصرار الاستاذ نبيه بري على المثالثة ضمن المناصفة وجرى بحث في التفاصيل.
جنبلاط المنزعج: هذا هو الحل
وعندما استقبلنا الرئيس الاسد وجد وليد جنبلاط، الذي كان وقع الاتفاق رغماً عنه ومن دون قناعة، في صالون الاستقبال صورة لمعركة من المعارك التاريخية لعلها معركة حطين، فوقف امامها متأملاً وتطلع الى الرئيس الأسد قائلاً: "هذا هو الحل يا سيادة الرئيس" وكان جنبلاط يعبر عن قناعته بضرورة الحسم العسكري. انا كنت في باريس واستدعيت لحضور حفلة التوقيع. وكنا كمن يحضر عرس خالته لكن ذلك لا يمنع اننا قومنا الاتفاق ايجابياً وقلت في اللقاء مع الرئيس الاسد انني اخشى ان يستنفر هذا الاتفاق اعداءه قبل ان يستطيع استنفار اصدقائه وعددت الاعداء وعددت الاصدقاء شارحاً ان وضعهم غير مستنفر. وقبل ان يستنفر الاصدقاء سقط الاتفاق نتيجة للهجوم الذي شنه جعجع والقوى المتعاونة معه ضد ايلي حبيقة. رفض حبيقة آنذاك اتخاذ المبادرة لتفادي اراقة دماء مسيحية ومارونية لكن القوى الاخرى بادرت ولم تتردد في اراقة الدماء.
هل شاركتم في الهجوم الذي شنه حبيقة في 27 ايلول سبتمبر 1986 على الاشرفية؟
- لا لم نشارك في مثل هذه الامور التي تحضر في غرف امنية. شكلا وجد حبيقة معه عدداً من الاطراف عندما دخل ولكن عندما اضطر الى الانسحاب وجدها تسرق له معداته وتخطف عناصره وربما على الهوية وحالة من الفوضى الكاملة. حتى ان القوى التي كان يفترض ان تسانده بالمدفعية كانت احياناً تقصف مواقعه. كانت عملية ارهاب اكثر منها عملية تحرير.
"حرب المخيمات": الحرب الخطأ
شكلت "حرب المخيمات" احراجاً لبعض القوى ذات العلاقة الوثيقة بمنظمة التحرير مثل الحزب التقدمي الاشتراكي والحزب الشيوعي. الى اي حد كانت هذه الحرب صعبة؟
- كانت احد اصعب الامتحانات التي واجهناها ان لم تكن الاصعب على الاطلاق. انها خطأ من البداية الى النهاية. برز اتجاهان في هذا الموضوع: الاول، ان يحسم الفلسطينيون المعارضون لعرفات هذه القضية وان يتولوا بالاتفاق مع حركة "امل" والقوى الوطنية تنظيم العلاقة الجديدة. وكان هناك اتجاه ثان يرفض هذا المنطق ويعتبر ان كل الفلسطينيين ياسر عرفات ويرفض ان تعود اليهم اي مكاسب كانت لهم في السابق، وان جورج حبش واحمد جبريل وغيرهما لا يختلفون في ممارساتهم في لبنان عن ممارسات ياسر عرفات.
كان الاتجاه الثاني موجوداً لدى حركة "امل" التي ارادت ان تبقي سيطرتها المسلحة على المخيمات امراً واقعاً ناجماً عن كونها استطاعت ان تدخل المخيمات بعد الانسحاب الاسرائيلي ونتيجة للوضع الفلسطيني آنذاك. وكنا نحن من معارضي اقتحام لبناني للمخيمات وحتى حين حصل اقتتال فلسطيني - فلسطيني كنا من انصار حل المسألة داخل الصفوف الفلسطينية. لم يؤخذ برأينا وصورت الامور على ان "حرب المخيمات" يمكن ان تنتهي في اربعة ايام وانزجت حركة "امل" فيها فتورطت وورطت معها الوضع اللبناني كله واصبحت في النهاية بحاجة الى مساندة وكنا، وليد جنبلاط والقوميين والبعثيين، امام امر واقع: اما ان نساند حركة "امل" ونقاتل لا ياسر عرفات بل الشعب الفلسطيني واما ان نكون خارج اطار الصف الوطني وخارج اطار الخط الوطني والقومي. والحقيقة اننا بقينا نناضل حتى اللحظة الاخيرة دفاعاً عن موقعنا المستقل.
نحن ضد نهج عرفات ولكننا ضد ابادة الشعب الفلسطيني. نحن لسنا مع عودة الوضع الفلسطيني الى ما كان سابقاً ولكن لسنا مع اقتحام المخيمات واستباحتها. كلفنا ذلك الكثير نحن ووليد جنبلاط، لكننا نفخر بأننا لم نتورط في هذه الحرب الخطأ من الفها الى يائها والتي لم تؤد الى نتيجة بل الى جروح وخسائر عميقة، ثم عادت وتحولت من جديد الى حرب فلسطينية - فلسطينية حسمت في هذا السياق وليس سياق تدخل حركة "امل".
تصفية "المرابطون"
شاركتم في تصفية تنظيم "المرابطون" بزعامة ابراهيم قليلات ما قصة تلك الخطوة؟
- نعم وكان ذلك خطأ.
ما هو قرار تصفية "المرابطون"؟
- المرحلة الاولى من هذا القرار كانت قراراً منفرداً اتخذه الرفيق وليد جنبلاط. عارضناه وعاتبناه وطلبنا العودة عنه والانسحاب بسرعة من محيط مسجد عبدالناصر. وامام التدخلات حصل هذا الامر ودخلنا في وساطة وحلت الامور. لم نشارك في المرحلة الاولى ولكن عندما عادت الحرب وانفجرت بين حركة "امل" و"المرابطون" كانت الاجواء متوترة بيننا وبين "امل". وكنا في الحقيقة استنفرنا قواتنا احتياطاً للدفاع عن مواقعنا التي كانت اساسية في بيروت. وكانت اجواؤنا غير مرتاحة الى "امل" التي كانت تعتقد انها ستحسم الصراع بسرعة، غير ان الواقع الشعبي في بيروت لم يكن كذلك. استطاع "المرابطون" ان يصمدوا بل ان يحققوا تقدماً.
في الحادية عشرة من تلك الليلة فوجئت باتصال من وليد جنبلاط يقول: "لم اعد قادراً على الانتظار في بيروت سأتدخل ويجب ان نتدخل معاً" فقلت له: جيد نحن قوات مشتركة ولكن نتدخل مع من. وتوقعت ان يقول مع "المرابطون" لكنه قال مع حركة "امل". قلت له هذا مؤسف واذا كان من مجال لتفاديه يكون افضل. قال: لا. ارجوك. فقلت له: نحنا كنا دائماً معاً في الخطأ والصواب واعطيت تعليماتي بالمشاركة. والحقيقة انه لولا مشاركة الحزب الاشتراكي ومشاركتنا لما حسمت معركة بيروت. انا اعتقد انها كانت خطأ وكان يجب الحيلولة دون استخدام السلاح بين هذه الفصائل. ذلك ان هذا الاسلوب سرعان ما ادى الى انتشار السيطرة الميليشياوية على الوضع في بيروت وبداية حصر مواقعنا واحداً دون الآخر، ونحن لا نريد الصدام …الى ان كانت حرب بيروت الكبرى التي فرض علينا نحن والحزب الاشتراكي خوضها في مواجهة محاولة تعميم سيطرة "امل".
وحرب "العلمين"؟
- تلك خاضها وليد جنبلاط منفرداً ولم نكن معها. انا اتحدث عن المواجهة التي امتدت ستة ايام وانتهت بعودة القوات السورية الى بيروت. بدأت المعركة بهجوم على مكتبنا في شارع عفيف الطيبي. كنا في تلك الحرب في موقع الحرج الشديد: ان اكملنا تحرير بيروت لتعمم الدمار ولاستفاد الوضع في اطار المخيمات منها وتمدد وان وقفنا لا ندافع عن انفسنا يمكن حصول مجزرة كبيرة في بيروت. اخترنا سياسة الدفاع عن النفس مع التوسع التدريجي وامكن السيطرة على معظم احياء بيروت. وتوتر الجو كثيراً مع دمشق التي طالبت بوقف اطلاق النار اكثر من مرة الى ان كان وقف النار مقروناً بعودة القوات السورية الى بيروت بعد انعقاد قمة اسلامية لبنانية في دمشق وجهت مناشدة الى سورية للتدخل في بيروت.
معركة طرابلس
تعرض رموز من الحزب الشيوعي لعمليات اغتيال؟
- نعم تلك المرحلة شهدت بدايات الخروج عن المنحى الوطني في القتال باتجاه المنحى الطائفي والمذهبي. حصل اشكالان: واحد بيننا وبين حركة "امل" وآخر بيننا وبين التيار الديني الاسلامي المتمثل بپ"حزب الله" وما كنا نسميه آنذاك "الظلامية". علماً ان "حزب الله" في معركة بيروت كان محايداً ولم يتدخل الى جانب حركة "امل" واكتفى بأن اخبرنا واخبر الاشتراكيين عن مواقعه طالباً عدم المساس بها. لكن هذا لا يمنع اننا لم نكن نعرف بعضنا جيداً نحن و"حزب الله".
ففي اوساط "حزب الله" كانت هناك قوى ترى في الشيوعيين بعبعاً يجب اجتثاثه. وفي اوساطنا قوى ترى ان خطر التيار الاسلامي المتشدد لا يقل عن خطر التيارات المعادية الاخرى. وعندما بدأت عمليات الاغتيال سقط شهيد كبير هو خليل نعوس فزادت الاجواء توتراً بيننا وبين هذه التيارات. وكانت ملابسة ثالثة دخلت على الخط بعد الحرب بيننا وبين "فتح" و"حركة التوحيد الاسلامي" بزعامة اميرها سعيد شعبان وما جمع حوله آنذاك من تيارات سلفية شكلت اطاراً لتأثير المقاومة واختلط فيها الحابل بالنابل ولم يعد يعرف من استخدم من. هل استخدم عرفات "حركة التوحيد" للسيطرة على طرابلس ام ان الحركة استخدمت "فتح" لفرض سيطرتها على المدينة. اصطدم الطرفان بوجودنا الكثيف في مدينة طرابلس وحصلت مجزرة في الميناء ذهب ضحيتها اكثر من خمسين مقاتلاً من حزبنا كانوا تجمعوا في مركز للحزب نتيجة مساومة كانت "فتح" طرفاً فيها وتم التنكر لها.
قيل يومها انكم رددتم على المجزرة بمجزرة مثلها؟
- لا. فالانتصار الذي تحقق ضدنا تبعه فلتان غير عادي ضد اهل المدينة اذ فرض عليها ان تصلي على غير ما اعتاد اهلها، وان تتبع ائمة غير اولئك الذين عرفتهم في جوامعها، وان تمتنع عن الضحك والفرح ومظاهر العرس والولادة. كلما اراد احد ان يوقع بأحد من خصومه كان يرمي تحت شباكه بقايا قنينة بيرة ثم يأخذه فيجلده او يقتله بحجة انه كافر. قدم آنذاك نموذج عن الاسلام لا علاقة للاسلام به. وهذا جعل اهل تلك المدينة المسلمة الشديدة التعلق باسلامها تنتفض او تشكل اطاراً مناسباً للانتفاض على هذا التيار الذي كان يستفيد من ياسر عرفات للوجود هناك.
حاولنا جاهدين ان لا نشارك في معركة تؤدي الى حرب فلسطينية - فلسطينية. شكلنا مع مقاتلي الحزب السوري القومي الاجتماعي القوة اللبنانية التي تحالفت مع القوى الفلسطينية المعارضة لياسر عرفات وتمكنت هذه القوى بمساندة سورية من تحرير طرابلس.
الواقع ان قرار المعركة كان اتخذ في مقر المرحوم رشيد كرامي في دمشق وكان هو اضطر الى الخروج من المدينة لرفضه الخضوع للمنطق المعادي لكل شيء. ثم جرت المصالحة بيننا وبين الشيخ سعيد شعبان في طرابلس بعد سقوط المدينة في يدنا وخروج "التوحيد". والتقى الرئيس الاسد آنذاك "امراء" الحركة الوطنية ثم "امراء" التوحيد، والتعبير للرفيق عاصم قانصوه. ثم عقد اجتماع مشترك في دار الضيافة حيث كان ينزل الرئيس رشيد كرامي.
بدأت الاجتماع يومها بنكتة الغرض منها القول ان الصراع سياسي وليس طائفياً. انا زوجتي طبيبة عيون معروفة وناجحة. قبل اندلاع الحرب في لبنان كانت لنا صديقة في منطقة الحدث في بيروت جاءت اليها امرأة مارونية تطلب منها ان ترشدها الى طبيبة عيون وقالت انها ذهبت الى الجامعة الاميركية وغيرها ولم تستفد. اخذتها الصديقة الى زوجتي ويبدو انها استفادت وشفيت عينها بسرعة. جاءت هذه المرأة تشكر الصديقة وتقول لها في مرة واحدة وبخمسة آلاف ليرة شفيت في حين دفعت الكثير الكثير ولم استفد.
وظفت صديقتنا المسألة لتقوم بدعاية للحزب مع العجوز وقالت لها: تعرفين لماذا تفعل هذه الطبيبة ذلك لانها ابنة ارتين مادويان احد مؤسسي الحزب الشيوعي وهي زوجة جورج حاوي فقالت لها مستغربة: زوجة جورج حاوي، انها المرة الاولى التي اسمع فيها ان الارمن يزوجون بناتهم لمسلمين. عندما سمع الرئيس سليم الحص هذه النكتة اعتبرها نموذجاً للحرب اللبنانية. اما الرئيس رشيد كرامي وآخرون فاعتبروها مدخلاً ملائماً للقول اننا في صف واحد فلماذا نتقاتل. وعندما تكون منتصراً لا بأس بالكلام المريح بلسماً لجروح المهزوم.
عادت الديموقراطية الى طرابلس وذهبنا في مهرجان احتفالاً بعودتها وتحية لشهدائنا الذين سقطوا آنذاك في عملية انتحارية لاقتحام اذاعة سعد حداد قائد "جيش لبنان الجنوبي" آنذاك. سقط لنا في العملية اربعة شهداء: ميشال صليبا من قريتنا بتغرين وناصر خرفان من بعلبك والشهيد حرب من البترون وشهيد من الميناء. دخلنا للاحتفال بهذه العملية فاستقبلتنا طرابلس استقبالا حافلاً يؤكد ان ما شهدته بعد مجزرة الشيوعيين كان طارئاً وعابراً.
خطف السوفيات
ما هي قصة خطف السوفيات في بيروت؟
- في تلك المرحلة، وبنتيجة معركة طرابلس، دفع فريق من التيار الاسلامي مع بعض القوى المشبوهة في اتجاه خطف السوفيات الاربعة. ولا اخفيكم ان هذا الامر احدث شرخاً في العلاقة بيننا وبين السوفيات. حملنا السوفيات المسؤولية كوننا نخوض معركة في طرابلس ضد عرفات وجهات اسلامية.
من خطفهم؟
- تبين في التحقيقات ان فريقاً من التيار الاسلامي. وفي ذلك الوقت برهن ميخائيل غورباتشوف الامين العام للحزب الشيوعي السوفياتي عن خفة استثنائية. كان في زيارة لفرنسا وادلى بتصريح قال فيه ان لديه تأكيدات اطلاق سراحهم في حين ان احدهم كان اصيب وقتل. توترت العلاقة بيننا وبين السوفيات لكنهم عادوا الى العقل لحاجتهم الى مساعدتنا في اكتشاف الخاطفين. والحقيقة ان الحزب الاشتراكي لعب دوراً وكذلك المسؤولون الفلسطينيون ونحن في القاء الاضواء على الحلقة الخاطفة.
اتخذ السوفيات موقفاً جريئاً في ذلك الوقت اذ وصل مندوب من الاستخبارات السوفياتية كنا نعتقد ان اسمه أليك واذ بنا نعرف انه مسلم من داغستان واسمه عبدالخالق. زار المندوب السيد محمد حسين فضل الله وكان حازماً لا ضد السيد فضل الله، وهو شخص فوق الشبهات، بل ضد تلك الاوساط التي تحترمه ايضاً. وجاء في الرسالة ان السوفيات لن يقفوا مكتوفي الايدي وسيتدخلون مباشرة ولديهم الوسائل والامكانات للتدخل المباشر ضد مواقع القوى المسؤولة عن الخطف. وحدد المندوب ساعة لاطلاق المخطوفين وقبل انتهاء الانذار افرج عن هؤلاء ذلك ان المندوب السوفياتي هدد بعمل عسكري مباشر.
موسم الاغتيالات
في تلك الاثناء بدأت عمليات الاغتيال ضدنا. اغتيل خليل نعوس وهو كادر ثمين جداً مسؤول عن بيروت في الحزب وصحافي واديب ومناضل. احدث اغتياله ردة فعل عنيفة وسلبية في الحزب ثم اغتيل مهدي عامل وهو المفكر النادر الوجود في لبنان والعالم العربي وهو من القلائل الذين تصدوا لمعضلات الفكر العربي والعالمي بمنطق العلم والجدلية. اغتيل مهدي عامل في وسط بيروت.
وفي هذه الاثناء توترت علاقاتنامع "حزب الله" وكان مركزهم في المقر السابق للسفارة الايرانية واثناء هذا التوتر استهدفت عملية انتقامية رفيقنا المناضل سهيل طويلة. اخذ سهيل من بيته غدراً وقتل. وهو لطيبته لم يكن يتصور ان جيرانا له في المبنى نفسه يعرفهم ويعرفونه يسقيهم ماء ويشرب من عندهم يمكن ان يدخلوا منزله وهو بالبيجاما ويقتلوه.
والابشع من ذلك كله كان الدخول الى منزل الشيخ الجليل حسين مروة الذي كان تخطى الثمانين ولم يكن قادراً على المشي. كان في فراشه يملي بصوت منخفض بقية مجلده التاريخي الضخم "النزعات المادية في الفلسفة العربية - الاسلامية". قتل حسين مروة بخساسة نادرة فلا هو مقاتل ولا هو شاب او مسلح. هذا الامر ادى بنا الى مواجهات سياسية وفكرية منها انني القيت خطاباً في مأتم سهيل طويلة، ورجعت يومها من موسكو حيث حضرت جلسة افتتاح المؤتمر الپ27 للحزب الشيوعي السوفياتي وكانت لعودتي اهمية في استنهاض وضع الحزب والقوى الوطنية. قلت في الخطاب "حاخام هو الذي يفتي بقتل الوطنيين والشيوعيين وليس سيدا ولا شيخاً". وقلت: "يدعون الخمينية وهم براء منها وفي ظروف لبنان نحن الخمينيون وهم السافاك".
هل حاولتم الرد بعمليات اغتيال؟
- لا. ولكن حصلت في الجنوب صراعات مع "حزب الله" و"امل" وسقط فيها ضحايا من الجانبين ثم تدخل العقلاء واكتشف "حزب الله" ان الذي يقاتل ضد اسرائيل هو اقرب اليه والى الله من الذي يصلي في مسجد تحت رعاية الاحتلال الاسرائيلي.
هل كانت الاغتيالات من جانب واحد؟
- لا، تشابكت الامور من اختراقات لحركة "امل" ولپ"حزب الله"، ولدينا بعض الاخبار ان اطرافاً من الاممية الاسلامية وتحديداً من المسلمين البلغار شاركت في اغتيال الشهيد سليم يموت في مقر جميعة الصداقة البلغارية - اللبنانية في الصنائع. اختلط الحابل بالنابل. وقناعتنا ان يد اسرائيل وراء الكثير من هذه العمليات لاننا كنا القوة الرئيسية في المقاومة الوطنية فكان لا بد من ارهاقنا بعمليات داخلية. وعندما لم تحقق هذه العمليات هدفنا حصل عدوان بالقنبلة الفراغية على مقرنا الرئيسي في الرميلة وادى الى استشهاد مجموعة من المقاتلين والكوادر بينهم الدكتور حكمت الامين، هذا المجاهد البالغ الاهمية، وابو جمال وسواهما من الابطال. لم نرد على الاغتيالات بمثلها بل بالحوار ونجحنا في فتحه مع السيد محمد حسين فضل الله وهو رجل فكر محاور ورجل ثورة يسعى الى توحيد القوى المقهورة. تعرفنا اليه اكثر وتعرف الينا وفتحنا صفحة جديدة لا مجال فيها لعودة العنف.
الاسبوع المقبل: اجتياح بيروت
وشارون يحتفل باغتيال عرفات


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.