تطور العلاقات بين تركيا واسرائيل الى الحد الذي وصلت اليه، ونقل الحرب من جنوبلبنان الى قلب العاصمة بيروت، هما الوجه الآخر الأكثر حرارة للمفاوضات السورية - الاسرائيلية، المباشرة ثنائياً والمتعددة الأطراف. ليس في التطورين مفاجأة او خروجاً على المألوف. فالحلف الذي يتشكل بين تركيا واسرائيل كان منذ انطلاق مسيرة مدريد هدفاً من الاهداف لاقامة "الشرق الأوسط" الجديد على انقاض "العالم العربي". أي قيام نظام اقليمي لا تحكمه اكثرية عربية او تتحكم به وتقوده دول عربية كبرى يمكن ان تهدد مستقبلاً الدولة العبرية وتحولها غيتو كبيراً. وكان هدف المفاوضات المتعددة دفع دول الجوار العربي الى المشاركة في بناء الخريطة الجديدة لهذا الشرق، من تركيا الى ايران... وحتى اثيوبيا ومعها اريتريا. وهكذا كان لا بد ان تظل ليبيا تحت الحصار، وان يُدفع السودان الى حصار مماثل، لتظل وجهة مصر غرباً، وجنوباً حتى القرن الافريقي حيث يمكن ان يشكل أي تغيير محتمل في خريطة السودان جنوباً تهديداً للأمن المصري خصوصاً والأمن العربي عموماً. وحتى النزاع على جزر حنيش في البحر الاحمر، بين اليمن واريتريا، عامل أساسي في التحولات الشرق الاوسطية، وعنصر ضغط على الدول المعنية بأمن هذا البحر، لن يكون آخر نتائجه سماح صنعاء لطائرة شمعون بيريز بالتحليق في الاجواء اليمنية، وهو في طريقه الى سلطنة عمان ودولة قطر. واذا كانت زيارة بيريز لهاتين الدولتين ليست "اختراقاً" جديداً، الا انها دفعت وتدفع ايران الى ادارة ظهرها نهائىاً لآسيا الوسطى لتكون عنصراً أساسياً في خريطة المنطقة، يضاف الى تماسها مع اسرائيل عبر "حزب الله" والحركات الاصولية في عدد من دول المنطقة، ما يجعل طهران شريكاً اساسياً لا يمكن تجاهل مقعدها في "الشرق الأوسط" الجديد. ولا مبالغة في القول ان استعجال الجمهورية الاسلامية بناء ترسانتها العسكرية، وتوتر علاقاتها مع عدد من دول الخليج العربي، قد يدفعان هذه الدول الى اعادة النظر في سياساتها العسكرية والامنية وفي تحالفاتها. ولا شك في ان الاختراق الاسرائيلي لمنطقة الخليج لا يشبهه الا الاختراق الاسرائيلي للجبهة التركية، انه نوع من نقل المواجهة بعيداً عن حدود الدولة العبرية، بقدر ما يشكل ضغطاً على الخليج وعلى سورية والعراق ايضاً. بعد مصر وشبه الجزيرة، تبقى سورية الهدف الأساس. ويكاد الحلف العسكري التركي - الاسرائيلي يشكل الضلع الأخير في حصار غير معلن على دمشق التي تعيش في شبه قطيعة مع عمان، فضلاً عن قطيعتها التاريخية مع بغداد... وعليها ان تواجه بعد الغارات الاسرائيلية على ضواحي بيروت وضعاً غير مستقر في لبنان، خاصرتها الهشة والموجعة. كل هذه التطورات كانت نتيجة طبيعية لاخفاق محاولة استئناف المفاوضات بين سورية واسرائيل، اثر اغتيال اسحق رابين: اخفق بيريز في تحقيق اختراق على المسار السوري، فقدم موعد الانتخابات لئلا يظل تحت رحمة هذا المسار واحتمال ممارسة دمشق ضغوطاً عليه. لكن هذه الورقة كادت ان تطير من يده مع انفجارات القدس وعسقلان وتل ابيب... واشعال جبهة جنوبلبنان. واذا كان عرف كيف يوظف قمة شرم الشيخ مهرجاناً دولياً لترشيحه، فان زيارته للخليج، ثم زيارة طائراته للقواعد التركية... وضواحي بيروت تشكلان فصلاً من حملته الانتخابية، بقدر ما تشكلان ضغطاً على سورية وايران. اذ بات في الحديقة الخلفية لهذه وتلك. وتشكلان ايضاً جزءاً اساسياً من المفاوضات الثنائية الحارة والمتعددة الاطراف كذلك. يبقى السؤال هل استنفدت سورية اوراقها في مفاوضات حارة لن تهدأ غداة الانتخابات الاسرائيلية لتعود اليها حرارتها عشية الانتخابات الرئاسية الاميركية؟ وهل تقدر ومصر على شحذ تحالف عربي اوسع يعيد خلط الأوراق في المنطقة والتحالفات، ام يكون قدر العالم العربي دخول مرحلة من المواجهات، الجانبية والخلفية والامامية، فضلاً عن الداخلية، ليسهل قيام "شرق أوسط" جديد تتوازن فيه القوى العربية والتركية والاسرائيلية والايرانية...؟ حسابات البيدر قد تخون حسابات الحقل!