هي واحدة من قضايا كبيرة كثيرة عجزت مجتمعاتنا العربية عن التصدي لها. وربما كان من أهم أسباب ذلك العجز أنها قضية خلافية تثير انقساماً في الرأي داخل الأسرة الصغيرة، وبين أبناء البلد الواحد، وبين المسؤولين في مجموع البلدان العربية. انها قضية هجرة الأدمغة العربية التي أضحت في الفترة الأخيرة تفكيراً "مشروعاً" للعقول الشابة فور تخرجها واكتمال تأهيلها التدريبي بدعوى سوء الأوضاع الاقتصادية. وأضحت أكثر إثارة للانقسام الاجتماعي بضغط من أسر العقول المهاجرة التي ترى ان أي نقاش في عودة ابنائها يعني اغلاق أبواب الرزق في وجوه أفرادها. وبات العلماء المهاجرون أنفسهم يتحدثون، في تعميم وإبهام، عن استعدادهم للعودة "لكن الأولاد والمدارس…". وأبرز الصعوبات التي تعترض طريق من يتهيأ للبحث في هذه المشكلة ومحاولة حلها: عدم وجود احصاءات دقيقة. كما ان عدداً كبيراً من أصحاب العقول المهاجرة يعتبر المضايقات التي تعرض لها في وطنه سبباً يكفي لقطع الصلة بينه وبين المؤسسات العلمية والعملية التي بدأ حياته المهنية فيها داخل الوطن. والخطورة ان هجرة الأدمغة لم تعد تقتصر على العلماء، اذ ان أكبر قاعدة من الصحافيين والكتاب والأدباء العرب باتت خارج حدود العالم العربي. وبدأت تنشأ أجيال ثانية من العقول العربية التي تتعاطى الابداع في مختلف مجالاته بلغات البلدان المضيفة الأوطان الجديدة. إنها قضية متشعبة ومتشابكة من دون شك. ولن تحل بالتوصيات والمؤتمرات والتصريحات الصحافية. ولن تحل أساساً ما لم تقر الأوطان الأصلية للأدمغة التي تعطي خيرها لغير أهلها بوجود المشكلة، وتدرك جدوى حلها على المديين المتوسط والبعيد. ولا ينبغي ان تتعرض تلك الأدمغة لمزيد من الظلم والاجحاف باتهامها بأنها لا تريد العودة. لكن التساؤل يبقى: كيف؟ وبأي شروط؟ وفي ظل أي ظروف؟ "الوسط" تفتح هذا الملف المهم بمقابلة وتقرير عن "شبكة العلماء والتكنولوجيين العرب في الخارج"، ودراسة عن النزف الذي تعانيه دولة عربية افريقية هي السودان من جراء الهجرة المنتظمة لأدمغتها العلمية. وترحب "الوسط" بمساهمات قرائها والمعنيين بالقضية في البلدان العربية والمهاجر لإثراء النقاش وتقريب الشقة، وتعريف العرب بالأدمغة الجبَّارة التي تغرد خارج السرب. احصاءات وأرقام تستند الاحصاءات المتداولة عن حجم الكفاءات العربية المهاجرة إلى مراجع شحيحة وقديمة وإلى بعض التوقعات التي تقدر عدد حملة شهادات الدكتوراه والماجستير العرب الذين يعيشون في الدول الصناعية المتقدمة بحوالى نصف مليون. وعلى رغم ان هذه التقديرات تبدو مضخمة، إلا أنها تبين خطورة مشكلة هجرة الأدمغة العربية وأهمية معالجتها وكشف مداها الحقيقي. مع ضرورة العمل على وضع احصاءات حديثة ودقيقة. فاضافة إلى جداول يعود تاريخها إلى منتصف السبعينات عن الكفاءات العربية المهاجرة إلى الولاياتالمتحدة ما بين 1962 - 1977، تقوم شبكة العلماء والتكنولوجيين العرب في الخارج بإعداد احصاء علمي مع دليل مفصل عن هذه الكفاءات. ولا تتردد الشبكة في الاعتراف بصعوبة تنفيذ مثل هذه المهمة إلا أنها تؤكد عدم استحالتها. فحسب تقديرها يمكن للشبكة اعداد احصاء للمتميزين من حملة الدكتوراه حيث يسهل الوصول إليهم كونهم يشغلون مراكز علمية مرموقة في الجامعات ومراكز الأبحاث الحكومية والخاصة ومراكز التمويل والشركات الصناعية الكبرى، ويتصدرون برامج البحث والتطوير التكنولوجي على المستوى العالمي ويشاركون في وضع السياسة الوطنية للعلم والتكنولوجيا. وتتوقع "الشبكة"، اعتماداً على النتائج الأولية لجهودها، أن يشكل العلماء والتكنولوجيون العرب المتميزون في أميركا وكندا نسبة عالية تصل إلى 2 في المئة من مجموع العلماء المتميزين في هذين البلدين، إلا أنها تخشى أن تكون عملية احصاء حاملي شهادات البكالوريوس والماجستير في العلوم والهندسة والزراعة والطب والصيدلة وغيرها أكثر صعوبة. وقد تعتمد في بعض الحالات على طرق وأساليب غير علمية وغير شاملة. وسيكون حجم هذه الفئة من الكفاءات أضعافاً مضاعفة لحجم الفئة الأولى، وربما وصل إلى مئات الألوف. الكفاءات العربية المهاجرة إلى الولاياتالمتحدة في الفترة 1962 - 1976 البلدان المرسلة اخصائيون وفنيون مهندسون علماء طبيعة أطباء المجموع مصر 5200 750 340 970 7260 لبنان 3700 600 500 840 5640 الأردن وفلسطين 2100 260 90 260 2710 سورية 1400 200 10 530 2140 العراق 1450 200 80 170 1900 المغرب 400 30 10 30 470 ليبيا 200 30 10 80 320 بلدان عربية أخرى* 2000 240 45 370 2655 المجموع 16450 2310 1085 3250 23095 * معظمها من البلدان العربية النفطية و 80 في المئة تقريباً من المهاجرين منها هم أصلاً من بلدان عربية أخرى. المصدر: - د. انطوان زحلان وآخرون، السكان والتنمية في الشرق الأوسط بغداد: قسم التنمية الاجتماعية والسكان، اللجنة الاقتصادية لغرب آسيا - الأممالمتحدة. 1984، ص 336. - د. انطوان زحلان. هجرة الكفاءات العربية: السياق القومي والدولي. مجلة "المستقبل العربي" بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية. السنة 15، العدد 159، أيار مايو 1992، ص 12. نسبة هجرة العلماء والمهندسين العرب الى الولاياتالمتحدة للفترة 1966 - 1977 الدولة نسبة المهاجرين لكل مليون نسمة لبنان 5.210 الأردن 2.116 مصر 9.86 العراق 4.53 سورية 0.50 قطر 0.30 ليبيا 8.7 تونس 5.7 الكويت 9.4 الجزائر 8.2 السودان 8.2 المغرب 2.5 اليمن 5.1 قدرت دراسة اميركية * ان عدد الكفاءات العربية المهاجرة للولايات المتحدة عام 1978 بلغت مئة ألف شخص، 50 بالمئة منهم من حملة الدكتوراه. ان هنالك تفاوتاً في هجرة الكوادر العلمية العربية الى الدول المتقدمة. ويلعب عامل اللغة والثقافة المشتركة ما بين كل دولة عربية والدول المتقدمة دوراً كبيراً في هذه الهجرة، حيث نرى ان معظم الكوادر العلمية المهاجرة من لبنانوتونس والمغرب والجزائر تفضل الهجرة الى فرنسا، أو الى الجزء الناطق بالفرنسية في كندا، في حين ان الكوادر العلمية المهاجرة من مصر وسورية والأردنوالعراق تفضل الهجرة الى انكلترا والولاياتالمتحدة الاميركية وكندا. ومع الأسف، لا توجد احصائيات بالنسبة الى هجرة العلماء العرب الى المانيا واسبانيا والدول الاسكندنافية، والتي اصبحت في تزايد في الثمانينيات والتسعينيات، كما لا توجد احصائيات عن الهجرة العربية الى استراليا ونيوزيلندا، بل ان هنالك هجرة عربية الى بعض الدول النامية والتي لا توجد عنها أية احصاءات. Arab-American Professionals and the Brain Drain. Samih Farsoum. E/ECWA/NR/Sem.1980 PO-187-20b احصاء حديث للعلماء والتكنولوجيين العرب في أميركا وبعض الدول الصناعية الاختصاص عدد الجامعات المحصية عدد الأساتذة العرب الهندسة والعلوم التطبيقية هندسة ميكانيكية وطيران 52 40 هندسة كهربائية 66 90 هندسة الكومبيوتر 86 46 الهندسة النووية 9 8 الهندسة البيولوجية 44 15 الهندسة العامة 118 132 الهندسة الكيماوية 11 4 الهندسة المدنية 40 31 هندسة المواد 18 4 هندسة التصنيع 5 3 الهندسة الصناعية 23 11 العلوم الحياتية والزراعية عدد الأساتذة العرب الاحياء وعلوم الاحياء الطبية 150 26 علم التشريح 21 1 الكيمياء الحياتية 100 19 الفيزياء الحياتية 25 2 التكنولوجيا الحياتية 7 1 علم النبات 20 6 أحياء الخلايا والجزيئيات 94 12 أحياء الجينات 45 5 الاحياء الميكوروني والمناعة 100 10 الاعصاب والفيزيولوجيا الحياتية 61 17 التغذية 16 5 علم الأمراض 39 15 علوم الصيدلة والسموم 101 35 الفيزيولوجيا 70 22 الاحياء والاشعاعات 2 1 العلوم الزراعية 13 2 الصحة عدد الأساتذة العرب الأعصاب 12 9 التمريض 25 10 الصيدلة 18 22 الصحة العامة 26 11 العلوم الطبيعية والرياضيات الرياضيات 50 25 الفيزياء 200 94 الكيمياء 39 6 إدارة الأعمال أحصينا 153 جامعة ووجدنا أن عدد الأساتذة العرب في مختلف المجالات مجتمعة الاقتصاد، إدارة الاعمال، المحاسبة، التسويق، الادارة، المالية والمصارف، الدعاية والاعلام، التجارة العالمية... يصل الى 106 أستاذ باحث. المصدر: شبكة العلماء والتكنولوجيين العرب في الخارج ASTA، إيلينوي 1995.