المعرض الفريد عن مصوغات وتحف القياصرة الروس الذي افتتح اخيراً في متحف الفنون التزيينية بباريس، والذي سيستمر لأشهر طويلة، شكل حدثاً فريداً لم تقع عليه عيون الباريسيين منذ 1910. ففي تلك السنة، اكتشف الجمهور الباريسي اعمال الصائغ "كارل فابرجيه" العالمية بعدما اصبح الملتزم الوحيد بتحقيق اجمل التحف للقىصريين الكسندر الثالث ونيكولا الثاني. وتلقى كارل عامها وسامين من ارفع الاوسمة على مبتكراته المدهشة التي لا تكاد العين تصدق انها من صنع أنامل بشرية يبلغ عدد اصحابها الخمسمائة. وهم الحرفيون الذين كانوا يعملون الى جانبه في سان بطرسبرغ، ليننغراد سابقاً. مجموعة "الريغاليا" كان كارل فابرجيه فتح محترفه في سان بطرسبرغ سنة 1872 برعاية القيصرين الكسندر الثالث ونيكولا الثاني. وحصل الاخير في حينه على تحف تحمل الشعارات الامبراطورية ابتكرها فابرجيه خصيصاً له. وهي تمثل ما يطلق عليها "الريغاليا"، اي مجموعة المصوغات المخصصة لمراسيم التتويج فقط. والتي تشمل في ما تشمل، التاج والسيف والعصا والشارات. وهذه توجد مثلاً في "متحف برج لندن" في ما يتعلق بالسلالة المالكة البريطانية. وكان كارل فابرجيه صنع مصغرات عن "الريغاليا" للقيصر نيكولا الثاني. وها هي تأتي اليوم لتكون تحت عيون الفرنسيين في المعرض الى جانب ثلاثمائة وستين قطعة اخرى جمعت بشكل دقيق من موجودات في حيازة ملوك وملكات اليوم، ومن متاحف عالمية اهمها متحف "الصومعة" في سان بطرسبرغ. بدا متحف الفنون التزيينية في باريس، التابع لمتحف اللوفر ويحتل جزءاً من بنائه، وكأنه قد تحول الى "صومعة" فعلاً خلال المعرض. حراس امام كل مقصورة زجاجية صغيرة من المقصورات التي ضمت القطع النادرة. عتمة في القاعة الفسيحة التاريخية الانيقة، وأضواء فقط في المقصورات المصطفة بنظام بديع وكل واحدة تحتوي على تحفة او اكثر حسب احجامها من شروحات مطولة عنها. ومع شدة الحراسة وسماكة الزجاج الذي ترتاح التحف وراءه، كان الاقتراب من المقصورات مسموحاً به الى حد ما. فكل تحفة فيها تشكل، اضافة الى الثروة المالية، ثروة فنية نظراً لفرادتها. وبعض هذه التحف ترك الخزائن الملكية لأول مرة. حقق فابرجيه تحف المعرض هذا بين عامي 1884 و1917 تاريخ بداية الثورة البولشيفية في روسيا، وذلك في محترف سان بطرسبرغ المنفتح على أوروبا، وفي محترف موسكو التقليدي. وكان كارل فابرجيه عرف في العالم اجمع. وصارت المصوغات الموقعة باسمه حلم هواة التحف النادرة والمتاحف الكبيرة. فليست الحرفية الدقيقة هي الاهم في صناعة تحفه، بل ما تحمله من تاريخية لكل حدث قيصري وملكي وقع في الفترة التى خرجت الى النور خلالها. وقبل ذلك، كان فابرجيه استوحى طراز القرن الثامن عشر الأوروبي والاساليب الفنية التي التصقت باسم كل من الملك لويس الخامس عشر والملك لويس السادس عشر. وفي اواخر القرن الماضي ارتبط اسم فابرجيه بآخر القياصرة الروس وبرؤوس ملكية جرى تتويجها في اوروبا في ذلك العصر. من هو فابرجيه؟ كان كارل ابن "جوهرجي" متواضعاً وينحدر من عائلة ذات اصل هوغونوتي اي من الفرنسيين البروتستانت. بدأ حياته الفنية سنة 1874 في سان بطرسبرغ وعمره ثمانية عشر عاماً. وصار منزله قبل الحرب العالمية الأولى اهم منزل في روسيا، اذ كان يستخدم خمسمائة فنان في محترفه من "جوهرجية" وصيّاغ ونحاتي حجارة ثمينة ومرصعين ومزخرفين وصانعي الميناء الطلاء الزخرفي ونجاري الابنوس وما شابه. ولم تكن مجوهرات فابرجيه الاولى تختلف عن سواها في البداية، كموضة منتشرة في أوروبا حينها. في سنة 1884 - 1885 ظهرت بين اعماله اولى "حذلقات" القرن الثامن عشر التي كان قياصرة روسيا جمعوها ثم حفظها متحف "الصومعة" في سان بطرسبرغ بين موجوداته: علب سجائر، علب "ملبس"، مقابض مظلات وعصي، مراوح، وكل ما كان يستخدم من "حذلقات" في عهدي الملكين الفرنسيين لويس الخامس عشر ولويس السادس عشر حيث ما زال قصر فرساي الشهير يشهد عليها. قبل أن يطوي القرن التاسع عشر دفتر سنواته ويطل القرن العشرون، تخلّى كارل فابرجيه عن النماذج التاريخية ولم يعد يستوحي منها الا من بعيد، وفتح المجال لمعطيات فنية جديدة منها: علب السجائر والاجراس الكهربائية والحيوانات والازهار والتماثيل الصغيرة من الحجارة الثمينة. وبلغ الاوج في الاتجاه الجديد مع "البيض القيصري" الذي ابتكره بناء على طلب القياصرة، ومنهم الكسندر الثالث ونيكولا الثاني، كي يقدم للزوجات العزيزات في مناسبة الاعياد الفصيحة في روسيا التي كان يحتفل بها بأبهة كبيرة. وذلك بين عامي 1884 و1916. وقد بدأ فنه هذا ببيضة بسيطة مرصعة يعود نموذجها الى القرن الثامن عشر، وتحتوي على دجاجة. وبعدها طوّر فن البيضة حتى بلغ الذروة في ابتكارها سنة 1897 في تحفة "البيضة وعربة التتويج". كانت التحف الجديدة تتابع في الظهور من محترفي فابرجيه بمساعدة فريق من المبتكرين والرسامين وبينهم شقيقه "اغاتون" وأولاده الاربعة، الذين كانوا يسهرون جميعاً على عدم توقف تدفق الجديد عندهم، وبالفعل، كانت كل تحفة باعها فابرجيه عملاً وحيداً موقعاً باسمه. وقد اكد في اكثر من مناسبة على ان قطعاً كثيرة اتلفت في نهاية كل عام حتى لا يصار الى تقليدها. ومع ان الطلب على اعماله ازداد بشكل كبير بدءاً من سنة 1900، فقد بقيت تقنية الصناعة والتنفيذ تحافظ على الدقة ذاتها التي عرف بها فابرجيه منذ اول عمل له. في اثناء تتويج القيصر نيكولا الثاني سنة 1896، قام كارل فابرجيه بابتكار العديد من الهدايا الرسمية والخاصة في المناسبة، ما جعل اسمه يدخل الى الطبقة الارستقراطية الأوروبية. في سنة 1910، اصبحت شهرة فابرجيه عالمية، الامر الذي حمله على ان يفتح فروعاً لمحترفيه الأساسيين في اوديسا ولندن وكييف. وأرسل بائعيه الى باريس والجنوب الفرنسي وروما وحتى الى الشرق الاقصى. كان زبائن فابرجيه من ملوك وملكات اوروبا، يضاف اليهم اصحاب المصارف والملايين والصناعيين والفنانين الكبار. وقد شارك فابرجيه منذ سنة 1885 ببذخ البلاط الامبراطوري الروسي الى ان حدثت ثورة تشرين الأول اكتوبر 1917 التي قضت على صناعة المجوهرات النادرة التي اوصلها فابرجيه الى القمة. وطبعاً، التهمت الثورة العائلة القيصرية لكن بعض ما تركته من تحف صنعها فابرجيه خصيصاً لها وجدت مكاناً في متاحف متفرقة. كانت علاقة فابرجيه بالبلاط الامبراطوري الروسي متينة جداً. ولا تزال العبارة التي قالتها الامبراطورة الى صائغها المفضل تتردد في اكثر من مناسبة: "فابرجيه، انت عبقري لا يضاهى". كانت الامبراطورة زوجة القيصر نقولا الثاني تعتبره اكبر فنان في عصره. بداية القصة يعود تاريخ عائلة كارل فابرجيه الى العام 1685 عندما تركت فرنسا واستقرت في شرقي المانيا. وقد ولد والده غوستاف سنة 1814، وفي سنة 1830 جاء الى مدينة سان بطرسبرغ وراح يتعلم فن الصياغة. وثابر على اتقان صنعته حتى نال لقب "معلم" سنة 1841، وبعدها تزوج وأنجب كارل سنة 1846. وسار هذا على خطى والده وكرس ثلاث سنوات لتعلم المهنة في أوروبا. كان ذلك بين 1861 و1864. ومنذ سنة 1866 بدأ ببيع المجوهرات الى القصر الامبراطوري، غير ان هذه الصلة لم تصبح رسمية الا بعد 1881، السنة التي قتل فيها القيصر الكسندر الثاني وتوج مكانه القيصر الكسندر الثالث الذي مات في 1894. اي بعد سنة من وفاة والد كارل فابرجيه الذي شهد ولادة اكثر من "بيضة" فنية امبراطورية منذ ان نالت الأولى شهرتها الكبيرة سنة 1885. في الرابع عشر من تشرين الثاني نوفمبر 1894، تزوج نيكولا الثاني من "اليكس فون هيسن" التي اتخذت بعد زواجها اسم الكسندرا فيودوروفنا. وتوّج نيكولا سنة 1896 وفي السنة التالية ابتكر كارل فابرجيه له البيضة مع عربة العرش التي وصلت اصداؤها الى البلاطين السويدي والنروجي. وتتالت ابتكارات فابرجيه لنيكولا الثاني، ومن اهمها البيضة التي حققها له سنة 1911 في مناسبة الذكرى الخامسة عشرة لتتويجه، الى ان جاءت ثورة 1917 وأطاحت القيصر الذي تم توقيفه مع عائلته في تسارسكوسيلو، ثم اعلنت الجمهورية السوفياتية البولشيفية. في تشرين الثاني نوفمبر 1918، اغلق محترف فابرجيه، فهاجر الى سويسرا بمساعدة السفارة البريطانية. وفي ليلة السابع عشر من تموز يوليو من السنة ذاتها، نفذ حكم الاعدام بالقيصر نيكولا الثاني وعائلته. اما فابرجيه، فقد توفي في 24 ايلول سبتمبر 1920، في فندق "بللفو"، في روسيازبسويسرا. كل التحف الرائعة الغالية على قلب نيكولا الثاني، والتي حققها فابرجيه خصيصاً له، فلتت من لهيب الثورة وبقيت حية كأنها لا تزال بين يدي قيصرها وتكفر عن موته الشنيع. وفي المعرض الأول عنها في باريس قال احد المتفرجين العاديين: "لتغفر سيئات القياصرة ان كانوا جميعاً يتركون مثل هذه الروائع".